نتنياهـــــــو يعيــــــش أســـــــوأ لحظــــــات حكمــــــه


لم يكن أيار بالشهر الأفضل بالنسبة لصديق الرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط بنيامين نتنياهو، وذلك نتيجة لما طرحه حلفاؤه المحتملون في الائتلاف من شروط ومطالب يتعذر المواءمة بينها، ما حدا به إلى الدعوة للتصويت على حل الكنيست الذي جرى انتخابه شهر نيسان الفائت.
ويبدو أن المناورة الاستثنائية لحل الكنيست تهيئ الساحة السياسية لتصويت جديد بكل مقوماته، إذ ستشهد البلاد، لأول مرة، انتخابات برلمانية ثانية في غضون عام واحدة. وثمة تكهنات بخوض نتنياهو الانتخابات الجديدة بموقف أكثر ضعفا مما سبق جراء إخفاقه في تشكيل الحكومة من جهة، وفضيحة الفساد التي تتصاعد نحو ذروتها يوما إثر يوم من جهة أخرى.
ومن الواضح بأن مصالح واشنطن تعرضت للخطر أيضا نتيجة هذا التحول غير المتوقع للأحداث. إذ ان ترامب يعتمد على صديقه الحميم وقرينه السياسي نتنياهو في تحقيق الفوز على منافسه السياسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وقد أعرب ترامب أمام الصحفيين عن أسفه إزاء إخفاق نتنياهو في تشكيل الحكومة قائلا: «ما حدث في إسرائيل أمر سيئ جدا، وبدا أن نتنياهو قد حقق فوزا كاملا، لكنهم الآن يعودون إلى مرحلة طرح النقاشات، ويعودون إلى مرحلة الانتخابات. لذلك نرى بأن ما يحدث أمر سيئ جدا لأنهم ليسوا في حاجة إلى انتخابات جديدة، ولاسيما أنهم يواجهون أصلا كثيرا من المتاعب في هذا المكان الذي تكتنفه الصعوبات».
ومنذ وقت طويل بدا بأنه من الأمور المتوقعة في السياسات الإسرائيلية تعارض الاجندات المتعلقة بالاتفاقيات السياسية داخل الحزب، ولم يسبق أن تمكنت إسرائيل من تشكيل حكومة يكون قوامها حزب واحد فقط. وبهدف تأسيس أغلبية برلمانية، يتعين أن يتفق الاشتراكيون مع الرأسماليين، ودعاة السلام مع المستوطنين، والمتدينون الأرثوذكس مع العلمانيين المتشددين. ووجود مثل ذلك الائتلاف مكّن إسرائيل من الوقوف في وجه المطالب القائمة على إنهاء احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة منذ ما يزيد على نصف قرن.
لكن في هذه المرة لم تمض الأمور كما في سابق عهدها، وذلك نتيجة الخلاف المحتدم بين وزير الدفاع السابق أفغيدور ليبرمان رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني من جهة والأحزاب المتشددة داخل ائتلاف نتنياهو المحتمل من جهة أخرى. وما يثير ذعر نتنياهو يتمثل في رفض ليبرمان تقديم تنازلات بشأن قانون التجنيد الجديد الذي ينص على إلزام الذكور الإسرائيليين بالخدمة، وفيهم المتشددون الأرثوذكس، في الجيش . ذلك لأنه حتى هذا الحين، يُمنح هؤلاء المتشددون الأرثوذكس التأجيل من الخدمة الالزامية، الأمر الذي يلقى معارضة من حزب ليبرمان بشدة. وفي الأيام التي تلت حل الكنيست كان نقاش الصدع بين قائدي الحزبين اليمينيين الموضوع الأساس، إذ أشار نتنياهو إلى صديقه القديم بكلمة «المخرب».
على المقلب الآخر، نجد نتنياهو يبذل المحاولات المستميتة لتخفيف الأضرار الشخصية جراء إخفاقه في تشكيل الائتلاف. ووفقا لما جاء في جريدة نيويورك تايمز فإن رئيس الوزراء المتعثر سعى في مؤتمر صحفي عقده يوم الخميس لتقديم نفسه كرجل دولة عالمي لا غنى عنه، واستطرد متحدثا عن علاقاته الشخصية مع إدارة ترامب. كما أشار إلى الخريطة التي سلمها له صهر ترامب ومبعوث السياسة الخارجية جاريد كوشنير التي تتضمن مرتفعات الجولان المتنازع عليها على أنها أراض إسرائيلية مشيرا إلى توقيع ترامب، الأمر الذي يعد اعترافا رسميا من الإدارة بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان شهر آذار الفائت. وعلى مدى السنتين الماضيتين، بذل فريق ترامب - نتنياهو المساعي الحثيثة، إذ سعى كل قائد منهما لتعزيز الموقف السياسي للآخر. وتمثل ذلك بوحدة موقف الاثنين لجهة نسف الاتفاق النووي الإيراني، وشيطنة الفلسطينيين، وتعزيز الخيال بأن الطريق إلى السلام بين إسرائيل والفلسطينيين يبدأ من أي مكان باستثناء فلسطين. وفي إسرائيل، التي تعد إحدى الدول القليلة التي يحظى بها ترامب بالشعبية، فإنه من المتوقع أن ينخرط في حملة إعادة انتخاب نتنياهو.
ومرة أخرى تعرض الدراما السياسية الجديدة العيوب التي يعاني منها «فريق السلام» الأميركي، الذي يتعثر في مساعيه لتحقيق «صفقة القرن» التي أعلن عنها الرئيس الأميركي لإرساء قواعد السلام في الشرق الأوسط.
أما كوشنير، العقل المدبر لمبادرة ترامب، فلا يعد من رابطة نتنياهو. إذ ذهب إلى القدس مروجا لفكرته حول إقامة ورشة عمل «السلام الاقتصادي»، التي حدد موعدها شهر تموز في العاصمة البحرينية، والتي تزامنت مع الأزمة السياسية التي تحيق بنتنياهو، ومن الواضح بأن النقاشات البحرينية ستواجه صعوبات جمة في ضوء ورطة نتنياهو التي قلبت حسابات كوشنير. كما أن الروس والصينيين لن يحضروا، وإن جرت دعوتهم. كما لن يحضر المسؤولون الفلسطينييون واللبنانيون. أما الأردن فهو يقف كعادته لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
تزامن وصول كوشنير إلى إسرائيل مع الأزمة التي يمر بها نتيناهو. ومن غير المسوغ في هذه الآونة التركيز على المزايا التي يمكن أن تحققها خطة والد زوجته، تلك الخطة التي لا تزال سرية، فضلا عن وجود فرصة لإرجاء اجتماع المنامة، الذي من المفترض أن يكشف بعض معالم الخطة الأميركية، إلى الحين الذي تستقر به إسرائيل سياسيا- أي من المحتمل تأجيلها إلى السنة القادمة، وربما إلى الفترة التي تسبق الانتخابات الأميركية التي ستعقد في شهر تشرين الثاني عام 2020.
ثمة احتمالات تقول بأن التأخير سيفضي إلى القضاء على المبادرة التي تم الترويج لها، وستُذرف القليل من الدموع إذا ذهبت الجهود الأميركية أدراج الرياح في فلسطين وإسرائيل حيث يبدو أن نتنياهو على ثقة تامة باستمراره على مسرحها السياسي.
تذكرنا المشكلات القانونية التي تحيق بنتنياهو بما ذكره الرئيس نيكسون ذات يوم عندما وصفها «بسرطان ينمو في الرئاسة». إذ أن تلك الاتهامات سترمي بثقلها على مستقبله السياسي والشخصي وستقود إلى تشويه الحسابات التقليدية التي مكنت المنتصرين السياسيين تاريخيا من تشكيل حكومات ائتلافية غير مستقرة التي تضم مجموعة من الشركاء المختلفين في الرأي المستعدين للمساومة بهدف الحفاظ على مقعدهم في مجلس الوزراء.
مع ذلك، فإن أصدقاء وأعداء نتنياهو على حد سواء يشمون رائحة الدم في المياه السياسية غير المستقرة في إسرائيل. ففي غضون شهرين ستصبح مدة رئاسة نتنياهو لمجلس الوزراء الأطول في إسرائيل، ذلك الانجاز المخيف الذي يصعب على الأقلية من الإسرائيليين استساغته. لكن إخفاق نتنياهو في تشكيل الحكومة بعد فوزه في شهر نيسان يعطي الدليل على تضاؤل تأثيره وضعفه السياسي المتزايد.
ليس ثمة ندرة سواء بين الخلفاء الراغبين بتسلم دفة القيادة داخل حزب الليكود أو الحلفاء السياسيين والمنافسين على حد سواء. ومع اقتراب الموعد النهائي لتشكيل الحكومة الجديدة تضيق خيارات نتنياهو في تشكيل التحالف، لكن هاجسه الأكبر يتمثل بقيام الرئيس روؤفين رفيلين، الذي لا تربطه معه علاقة جيدة، بترشيح أحد دعاة الليكود ليكون تحت دائرة الضوء، الأمر الذي قد يمكنه من تشكيل ائتلاف حكومي واسع يضم الليكود المنتصر وكتلة أزرق أبيض التي لم يحالفها النصر وترفع شعار «أي شخص مقبول باستثناء نتنياهو»، لكن نتنياهو، الذي جرحته الأحداث الأخيرة، لا يزال زعيم السيرك السياسي الإسرائيلي، وإن أوامره لزملائه بحل الكنيست أفضت إلى نسف احتمالية قيام حكومة بدونه، وهو بذلك حافظ على خيار إعادة الإحياء السياسي لنفسه شهر أيلول المقبل.
بقلم: جيفري أرنسون- The American Conservative

 

ترجمة: ليندا سكوتي
التاريخ: الخميس 6-6-2019
الرقم: 16995