الأخطــــــر في الانهيـــــارات غيـــــاب الرؤيـــــة والوعـــــي


تقدم علوم السياسة والمجتمع في فقهها حقيقتين هما خلاصة مسيرة الأمم وتحولات الحياة فيها، وهما بمنزلة قاعدتين لابد من استثمارهما عند الظرف الصعب ووجود المحن وانتشار الآلام، تؤكد القاعدة الأولى أن التراكم العضوي في حياة البشر إيجابيا كان أم سلبا لابد له أن يتحول إلى منطقة صحوة تكشف دوافع ماكان من أحداث وتحولات وتنير المساحات المظلمة في لحظة المحنة وفي بوادر التشكيلات التي لابد أن تنظم حياة المجتمعات على قواعد متبلورة وعبر أداء يكون قد استوعب ماكان وصعد باتجاه ما يجب أن يكون، هذا هو الأمر الطبيعي، وهذا هو الذي يتحرك وينمو في حياة الأمم الحية، لأن الأحداث بكل مستوياتها ليست وقائع عابرة، أي إنها تأتي ثم تنتهي وكأن شيئاً لم يكن، إن منظومة التفاعل والاستيعاب وإعادة إنتاج منطلقات الحياة الأفضل هي التي تدلنا على أن الأمة مازالت على قيد الحياة رغم اليباس الذي سيطر على الأغصان والفروع والحركة الرائجة في هذه اللحظة، من هنا كان مبدأ التراكم العضوي هو الذي يؤكد أن مفاهيم مثل القوة والضعف والهزائم والانتصارات والانبعاث والانحطاط والوحدة والتجزئة إنما هي تشكيلات تشبه الكائنات الحية من حيث وجودها أو غيابها.
ولكن الخلل إلى درجة الخطر يتمثل في مسافة التفاعل بين الأمم وهذه المواكب التي تشكل رصدا نوعيا وتأثيرا نوعيا قد يتسبب في آلام وأوجاع كثيرة ولكنه في الوقت ذاته يحرك ويحرض الجذور المحاصرة لكي تنمو وتفرع وتخصب من جديد مع ملاحظة أن المسألة ليست ميكانيكية وبأن الأفعال وردود الأفعال المستجدة لن تكون استمراراً بلا اعتبار ودون تفاعل مع كل مامر على الأمة من أحوال وأهوال، وبهذا المعنى فإن طغيان الاختراقات والعدوانات من الخارج والداخل لابد أن نفهمه على أنه مؤشر يؤكد تجذر الحياة في الأمة ويعطي اليقين بأن طبقات الطمي والأشلاء والتراب كل ذلك لن يفلح في وأد جذور الأمة، لعلنا كمواطنين بسطاء ومازلنا نستقي من تاريخ أمتنا الكثير من مسوغات وجودنا وسلوكنا معاً، إنما نعيش في هذا الزمن الأغبر على معطيات هذه القاعدة فنذرك أن الآلام هي درب الحياة، وأن الحياة ذاتها تتطور ولا تتكرر وإذا ما أسقطنا هذا المفهوم على واقعنا العربي الراهن نعثر على الكثير من الومضات من خلال الاستقراء التي يجب أن تكون قائمة في الواقع الموضوعي للأمة العربية وأنه لابد من دوافع ونخب ورموز حية في السياسة كما في المجتمع لكي تدفع باتجاه اجتياز هذه المسافة ما بين الخطر القائم والأمل اللازم، وهنا يتوضح تماما دور الفكر والمفكرين ونشاط الإصلاح والمصلحين وثبات قوة النضال والمناضلين إن تقدير الكبير يتمثل في أن نحول الألم إلى أمل عبر اليقين بالجذور الحية وبطاقة الاعتبار وإن كانت متناثرة في حياة أمتنا ذلك أن المطلوب بكل هذا الفيض الأسود من الشر على أمتنا من خارجها أو في داخلها إنما يقصد منه في الأصل أن تستسلم الأمة تحت وطأة الهمجية من الخارج والخيانة من الداخل، أما القاعدة الثانية وهي تتلازم مع الأولى كما تقررها علوم السياسة والمجتمع والتاريخ، فهي التي تأخذنا إلى حالة الواقع حيث تتكاثر في الزمن السلبي وعبر دروب الهزائم والآلام والتناقضات والاستطالات وشرود مسارات التحليل والتحديد وهذه حالة فيها من الخطورة مايعادل غياب الإيمان بحيوية الجذور في الأمة العربية.
ونلاحظ في هذا الفاصل من الزمن أن التناقضات تحولت إلى منطلقات سياسية واجتماعية واستبد بالأمة مفهوم الانقلابات بحيث يصبح الأمل خدعة كاذبة ويصير العدو صديقاً والصديق عدواً، ويكون الإرهاب قد أوجد لاختراقاته موضع قدم من القياس الثقيل حتى لكأن الشيء ونقيضه هما حقيقة واحدة، ولننظر في اللوحة العربية الصادمة، فهناك القوى التي اصطنعت الإرهاب وغذته ومولته وأطلقت سمومه وهي ماتزال تدعي أنها تكافح الإرهاب وتعمل على اجتثاثه في هذا البلد أو ذاك هنا ترتكس مواد نفسية وواقعية تجعل الإنسان العادي شارد الذهن ولاسيما أن هذا الإنسان بالأصل غير محصن وهو مخلوق وموجود في مناخ أبرز معالمه التناقض والإغلاق والحركة المتسببة في بناء نظام الأولويات لذلك نجد أن الإرهاب ظاهرة(عربية إسلامية) وأن العرب المسلمين الراهنين هم الذين يتصدون لهذا الإرهاب، إن القاعدة تتحول إلى مفارقة ولاسيما حينما تعطى للخطر وللسموم مديات لايوجد لها مثيل كجمع العرب والمسلمين والخليجيين في قم ثلاث وبجوار بيت الله الحرام في مكة المكرمة وفي موكب عيد الفطر ليتعرض الجميع إلى تلقين أميركي أساسه أن مسألة الأعداء والعدوان تبدلت لكن العرب كانوا نائمين، فإيران هي العدو وهي محور الشر وهي الخطر الداهم ولابد أن تنتشر ثقافة الاعتقاد بهذا الأمر في زمن الإرهاب القائم، ثم إن المسألة في العلاج لابدلها من قوة عسكرية ومال كمال قارون وهذا متوافر عند العرب وليس عليهم إلا أن يقدموه هدايا بطيعة الخاطر لأميركا ولعائلة الرئاسة الأميركية، إن هذه المسألة هي التي تتحرك وتستبد بالواقع والرد عليها ليس بالإدانات وإنما بالبناء والمعارك الكبرى.

د. احمد الحاج علي
التاريخ:الثلاثاء 11-6-2019
الرقم: 16997