هزيمة مزدوجة!


 

مشى على حبال المصالح بين الكبار مراهناً على قدرته على التوازن دونما إدراك أن الوقت له حدود كفصول السنة.. كالعمر.. وهو سيكون وحيداً في لحظة مظلمة يلعن فيها ذاته مع لعنات الثكالى وآخرين كثر ممن طالهم شرّه الدامي..
ها هو أردوغان بات كأولئك الذين سخرهم يوماً كمرتزقة في سورية، ها هو اليوم يفعل فعلهم تماماً دونما تراتبية تفرضها قواعد اللعبة ومحاصصات مصاصي الدماء على مائدة الشرّ، يزج بجيش بلد ليؤازر مرتزقة إرهابيين فتح لهم بوابات بلاده لتغدو ممراً آمناً لشذاذ الآفاق القادمين من كل حدب وصوب، فيقاتلون معاً في خندق الإرهاب يرتدون الإثم ويتلون تعاويذ لعناتهم ويسيرون للقاء حتوفهم في سورية.
قُرِعت طبول المعركة في إدلب ومحيطها فأتت الأوامر من المشغل الأكبر الأميركي بالانخراط في المعركة للدفاع عن حصن الإرهاب الأخير في سورية، وليلقى أردوغان مصير مرتزقته ويخلع رتبة المشغل بعد الفشل في البقاء في موضع الاستنزاف ولعب دور المراوغ والمعطل لمسارات السياسة الروسية في سورية.
نعم، زج به الأميركي في عين العاصفة في الوقت الذي يحاول فيه لملمة شتات هزيمته الانتخابية في الداخل التركي ليواجه عاصفة سياسية جديدة هناك، حيث تتساقط الأوراق المتبقية بيده واحدة تلو الأخرى ويغرق أكثر في مستنقع إدلب مع إرهابييه ويواجه مصيره المحتوم هناك، حيث يدفن مع مرتزقته عقوده الموقعة مع روسيا فما من طريق عودة بعد إدلب إلى موسكو، فما الحاجة إليه بعد إنجاز التحرير في إدلب بالقوة، وعلام يحظى بجوائز ترضية من الروسي؟! وكيف سيكون حاله بعد غرقه سياسياً في الداخل وهزيمته العسكرية في الخارج..؟
فكيف لأردوغان أن يرى طريق العودة بعد إدلب، وهناك ما يلاحقه من استحقاقات في الداخل وتعقيدات العلاقة مع روسيا التي باتت على محك الزوال، فهو اليوم بين مطرقة مصالحه مع روسيا وقدرته على التموضع الجديد على خريطة ما بعد الحرب إقليمياً وبين سندان تنفيذ واجباته الأميركية والأطلسية ودفع أثمان الخيارات الصعبة في هذه المرحلة وتحمل نتائج الخسائر التي تنتظره.
من الواضح أن العد التنازلي لأردوغان قد بدأ فعلياً، ومن ظن نفسه قادراً على تحويل نفسه لضرورة ولعب دور مثقل للكبار وبالتالي يصبح الحفاظ عليه غاية بذاته؛ ها هو يخسر ضرورته عندما اتخذت الخيارات الحاسمة في المرحلة الأخيرة، ومن ظن نفسه قادراً أن يمشي على حبال المصالح ها هو يفقد توازنه ويؤول لسقوط مدوٍّ محتوم، فكل مرحلة لها حساباتها وخياراتها وعندما نقترب من الحسم لا مجال حينها للمراوغة والزئبقية، إذ هو الحسم سيد المواقف فهناك ملفات اشتباك دولي أخرى على لائحة الانتظار وليس من المنطقي أن يبقى هذا الاشتباك الدولي المحموم محصوراً في دائرة جيو سياسية ضيقة لفترة طويلة من الزمن.
إن خيار التحرير في سورية هو قرار وطني سيادي لا رجعة عنه، ومما لا شك فيه أن خيارات الأصدقاء مبنية على هذه المسلمة وبالتالي كل ما كان يجري لا يعدو كونه تكتيكاً يخدم الاستراتيجية وليس بديلاً عنها، أي أن لحظة قرار الحسم العسكري كانت حتى في حسابات الروسي والإيراني آتية لا محالة، ولكن مقتضيات الاشتباك فيما مضى تطلبت استخدام أوراق مختلفة منها السياسي والاقتصادي لتفكيك بنية منظومة العدوان، واليوم أكثر من أي وقت مضى يبرز الرئيس بشار الأسد دور سورية في تحديد شكل معادلات المرحلة القادمة ما بعد الحرب على المستوى الإقليمي والدولي وبالتالي ما يجري اليوم هو إجابة بليغة حقاً لمن كان ينظر إلى سورية كساحة صراع لا أكثر وأن موازين القوى لن تتغير تموضعاتها في الصراع.

بقلم د.عفيف دلا

التاريخ: الأربعاء 12-6-2019
رقم العدد : 16998