الغطرســـــة الدوليـــــة والتـــــوازن المفقـــــود

 

سيُثبت المؤرخون أن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يمكن أن يطلق عليه عقد الربيع الصهيوني على أرض العرب ذلك أن الحلف الدولي المتصهين الذي أدار ناصية السياسة الإقليمية في المشرق العربي واصل حلمه باستعادة المبادرة عبر الفوضى الخلاقة التي وضع مصطلحها منذ نهاية القرن العشرين ليدخل فيها القطب الدولي الوحيد المهيمن (أميركا) عتبة الألف الثالثة وهو مُوَطّنٌ لهيمنته على النظام الدولي، وممسكٌ بقرار الأمم المتحدة ليوجهه كما يريد في سياساته الدولية الرامية أولاً إلى عدم فتح الطريق الأممي أمام القوى الصاعدة بغاية حشر التطور العالمي في أقنية المصالح الإمبريالية المرتهنة للوبي الصهيوني على جغرافية الأوروبيين والأميركيين الشماليين وحسب.
ورغم سعي القطب الوحيد المتصهين لإبقاء الواقع الدولي ضمن حالة عدم التوازن في القرار الدولي، وحتى في طبيعة الأمن والسلم الدوليين ظناً من اليانكي الأميركي بأنه قادر على فرض سيادة كاملة على حركة الأمم كبراها، وصغراها، واستنان سنة أميركية خاصة تصبح فيها ملامح العصر مهدّدة أميركا وصهيونياً، وكذلك قضايا العصر الكبرى وفق ما تقرّه أميركا، وما تعترف به وما زلنا نتذكر حديث الرئيس الأميركي في ماسترخت بداية العقد الأول من هذا القرن حين لم يقرِّ الكبار الاقتصاديين على تفسيرهم لملامح العصر ولا سيما في عقابيل سقوط نظام القطبية الثنائية فلا إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد عند بوش من قضايا العصر، ولا البيئة العالمية وفتحة الأوزون، والاحترار الفضائي، ولا الشعوب المناضلة في إطار حركة التحرر الوطني لتقرير مصيرها، ولا فقدان التوازن الدولي... نعم كل ذلك ليس من ملامح العصر وقضاياه بل ما على المجتمعين في ماسترخت أن يفهموه هو أن الرهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا) هو المهدد الأول والأخير لسيرورة العصر والحضارة، وأن ليبرالية العولمة بثوبها الجديد مهددة في إطار هذا الرهاب والعدو الدولي يجب أن يتحدد بالنسبة لأوروبا، وأميركا بالإرهاب الإسلامي الذي خرج من أفغانستان وبات يهدد أمن العالم بالمزيد من فقدان الأمن والسلم الوطنيين.
وأمام الجميع يتطرق بوش إلى شكل الشراكة العالمية في النظام الدولي وحيد القطب بالعكس كان صريح العبارة بأن أميركا لا تقبل شريكاً لها في إدارة الحياة العالمية، ولن تحترم مواثيق الأمم المتحدة، والقانون الدولي الذي وضعت النسبة الكبيرة من نصوصه في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945م وسقوط نظام المستعمرات الذي رسّخت له عصبة الأمم، ولقد عاش العالم-آنذاك-خروج أميركا المقصود على سياسة الإجماع الدولي، والتصرف من خارج قرارات الأمم المتحدة. وقد واصل أوباما هذه السياسة لكنه استبدل لاحقاً سياسة القوة الصلبة بالقوة الناعمة لقناعته بأن حروب أميركا ما وراء البحار لم تَعُدْ بالأكلاف الأوروبية، والدماء ولا بد من استبدال ذلك بطريقة جديدة لتجنيد جيوش المرتزقة عبر الشركات الخاصة بذلك. ومن الواضح أن نهاية العقد الأول من قرننا هذا شهدت الحياة العالمية تطورات مهمة طفت فوق السيطرة الأميركية المزعومة على الحراك العالمي فلا حربها على أفغانستان نجحت بها، ولا على العراق، ولا سيطرتها على الاقتصاد الدولي بقيت مؤاتية حيث بدأت الأزمة المالية العالمية منذ نهاية العدوان على المقاومة اللبنانية 2006م وفشل مشروع كونداليزا رايس بالشرق الأوسط الجديد الذي أعلنت بأنه يتشكل عبر العدوان الصهيوني على لبنان ثم بدأت تتفاقم الأزمة المالية العالمية، وبدأت الليبرالية الجديدة بثوبها العالمي تفشل بالوصول إلى ما كانت تعتقده من وضع اليد لزمن طويل على طبيعة النمو الدولي، والتطور ومنع دول في الشرق من أن تحقق النهوض وصارت نظريات مثل نظرية هتنتغتون يحضّر لها للمزيد من البروز، والتبنّي على الصعيد الدولي بأهداف إمبريالية خالصة، لكن ذلك كله لم يمنع الدول العظمى في الشرق من أن توجِدَ تحالفاتها، التي تحمي مصالحها الوطنية، والإقليمية، والدولية، وما إن دخل العقد الثاني من القرن الحالي حتى بدأت السياسات العالمية تشهد قوى صاعدة في الشرق وفي إطار البريكس، وقوى هابطة في الغرب الأطلسي تحديداً، وطفقت خطوات الانتقال إلى النظام الدولي المتعدد الأقطاب تتمّ ملاحظتها في السياسة العالمية بين الشرق والغرب.
وما إن أصبحت أميركا أمام حقيقة تراجعها الملموس في السيطرة على النظام الدولي، وتبدّلت في المحيط العربي والإسلامي في المنطقة التي يسميها الغرب بالشرق الأوسط معادلات مهمة أولها أن الكيان الصهيوني لم يعد الكيان الوظيفي الضامن للمصالح الأطلسية كما وطّدوا له عبر عقود، بل أكثر من ذلك سقوط معادلة حروبه ِعلى المقاومة، وبروز حالات معتبرة من توازن الرعب والكلفة بين كيان العدوان، والمقاومة خاصة عبر جبهتها العريضة من سورية وإيران وحزب الله، والمقاومة الفلسطينية التي لم تترك سياسة الكفاح المسلح ضد إسرائيل. في هذا الوقت بالذات نهاية 2010م شرعت أميركا والصهيونية بمشروعها الجديد المستثمر بالإرهاب الدولي تحت راية الأخوان والوهابية بتنفيذ ما أطلقوا عليه الثورات والربيع كل ذلك من أجل ضمانة وجود المشروع الصهيوني واستمراره بعد أن أصبح يُحتسب على قيد الزوال ورأينا كيف تم ترتيب الحرب على الجمهوريات العربية، وكيف كلّفت الممالك والمشيخات بهذه المهمة أي إسقاط الجمهوريات، وتفكيك مجتمعاتها بهدف خلق حالة فوضى عربية يتهدّم فيها النظام العربي الرسمي، وكذلك الشعبي، وتظهر كانتونات الإثنية والعرقية على صيغة إدارة القبائل المتغازية العربية التي عُرفت في التاريخ. وقد رأينا كيف كان التركيز على سورية أكثر من أي بلد حتى لا تبقى للعروبة قلعة عربية صامدة، لم تتنازل عن بوصلتها فلسطين والأراضي العربية المحتلة. وفي سورية شهدنا أشنع مشاريع الغطرسة الأمروصهيونية وأدواتهما من الأعراب، والمتأسلمين. وكلما حققت سورية صموداً في مواجهاتها الميدانية لقطعان الإرهاب وداعميهم نجد شكلاً جديداً من أشكال الحرب الإرهابية علينا فمن الوكيل إلى الأصيل، ومن الإقليمي إلى الدولي، ومن الإرهابي إلى التدخل الأطلسي المباشر والعدوان. وفي مجرى الوقائع الميدانية ثبت أن الجيش العربي السوري وحلفاءه، والقوى المساندة قادر على تحقيق النصر على كل جبهة خاضها ضد الوجود الإرهابي، ولكيلا تظهر أميركا بمظهر المتدخل غير الشرعي على أرض سورية رغم أن وجودها بكل اعتبار هو غير شرعي أعلنت عن تأييدها للحل السياسي داخل سورية لكن الحلّ السياسي الذي تريده لا يقبله الشعب طالما أنه سينتقص من السيادة، والوحدة الجغرافية، والاستقلال. ولن تقبله سورية إذا تقرر بإرادة خارجية وليس بالإرادة الوطنية لشعبها الصامد في الحرب على الإرهاب. ولن تقبله لأنه سيفرض على بلدنا صفقة القرن التي جاء كوشنر للمنطقة من أجلها، وما حدث في آستنة 13 إذا لم يصل بالحل السياسي إلى قواعد الحل الوطني السيادي بموافقة جماهير الشعب فالحل العسكري هو نهاية كل مطاف، والبارز اليوم أن أميركا والأطلسيين وكيان العدوان الصهيوني غير قادرين على فرض معادلتهم في خلق قوى جديدة تمهّد للحل السياسي اللاوطني. وغير قادرين على فرض معادلات ميدانية جديدة وحين سيقرر جيشنا الباسل التحرك سيكون الحل الميداني أكبر من معادلة تدويل الحل السياسي الآتي من الخارج، وأهمّ من ترّهات المنطقة الآمنة المزعومة التي ولدت ميتةً كما الأحلام السلطانية للذي لم يعد بيديه تبديل المعادلات السورية الحاكمة لأن التوازن فيها تفرضه سورية، وتعدّل فيه كل ميل على الجبهتين: الميدانية، والدبلوماسية.

بقلم د: فايز عز الدين
التاريخ: الأثنين 12-8-2019
رقم العدد : 17048