الســـــعودية تدمّـــــر.... والعالــــــم يتفــــــرّج!!!!


مع دخول الحرب على اليمن عامها الخامس، كانت النتيجة الملموسة الوحيدة حتى الآن هي التدمير البربري التدريجي والوحشي للبلاد وقتل وتشريد وتهجير شعبها على مرأى من العالم، بينما كانت الحجة أن تُشنّ هذه الحرب لاستعادة سلطة الرئيس المخلوع عبد الله منصور هادي، الذي فرّ إلى المملكة العربية السعودية في أعقاب تمكّن أنصار الله من السيطرة على العاصمة صنعاء في عام 2014. وكذلك كانت الحرب تهدف أيضاً - بحسب الادعاء السعودي - إلى إحباط خطة إيران المزعومة لتوسيع سيطرتها على اليمن ككل باستخدام (الحوثيين) كوسطاء على الأرض.. ومع ذلك، فإن الضراوة العشوائية لهجوم المملكة العربية السعودية على اليمن لا يمكن تفسيرها من خلال هذه الدوافع المزعومة.
لماذا كان من الضروري إعادة اليمن إلى العصر الحجري واستهداف المدنيين، وبالتالي ضمان عدم قدرة البلاد على التعافي قبل قرن على الأقل؟ .!! . لفهم الدوافع الحقيقية لهذا العدوان البربري على اليمن، من الضروري فهم تاريخ وجغرافيا شبه الجزيرة العربية.
في العصور القديمة، كانت اليمن موطناً للعديد من الحضارات المزدهرة.. نشأت ست ممالك على الأقل في هذه المنطقة من شبه الجزيرة العربية من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ومقرها في ماعين وقطبان وأوسان وسابا وحميَر وحضرموت، والأكثر شهرة كانت مملكة سبأ، التي استمرت 11 قرناً ، وهي مذكورة في القرآن، كانت عاصمتها مأرب، حيث بنى السبائيون سدّاً ضخماً، وهو أعجوبة للهندسة القديمة، وفي حوالي عام 700 قبل الميلاد، وسّعوا سيطرتهم على معظم جنوب الجزيرة العربية وازدهرت حضارتهم وبلغت الصين والهند والشرق الأدنى. مع ظهور الإسلام، لعبت القبائل اليمنية دوراً رئيساً في الفتوحات العربية لمصر والعراق وبلاد فارس والشام.
في القرن الثالث عشر، كان لليمن ثقافة إسلامية مزدهرة، أما وسط وشمال شبه الجزيرة العربية فكان حتى وصول الإسلام في القرن السابع الميلادي، كان هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية يقوده تقليدياً زعماء قبائل، معظمهم معزولون وغامضون، ولم يكن بإمكانهم التنافس مع ممالك اليمن، حتى بعد الإسلام، لم تكن روعة الحضارة في شمال شبه الجزيرة العربية مثل روعة الإنجازات اليمنية الأسطورية ! فاليمن مليء بالتاريخ.
أما المملكة السعودية فهي أكثر حداثة ولم تظهر حتى الثلاثينيات من القرن الماضي - وأنشئت الإمارات العربية المتحدة ، شريكهم في الحرب و في التحالف مؤخراً في عام 1971 ، لكن يبدو أن المملكة العربية السعودية تحاول محو وتدمير اليمن السعيد، مهد الحضارة القديمة وذلك بدافع الغيرة العميقة.
إن الحرب على اليمن تذكّر بحرب فيتنام، بسقوط الأطفال والنساء، لقد أقرّ مجلس الأمن القرار 2216 الذي اتخذ بموجبه تدابير حظر الأسلحة على اليمنيين في وقت يتفرج فيه العالم على بلد عربي يدمّر بلداً عربياً آخر باسم التحالف الدولي وبحرب همجية تدخل عامها الخامس، لم يسلم منها شبرٌ من الأراضي اليمنية، المدن والقرى والبلدات والبُنى التحتية والمنشات والمشافي والأماكن الشعبية وتسببت بخسائر فادحة للسكان المدنيين.
لقد قتلت آلاف الضربات الجوية العشوائية الآلاف من المدنيين في انتهاك لقوانين الحرب، بذخيرة لا تزال الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها من الدول توفرها، لكنها لم تدمّر قاعدة عسكرية واحدة! .
اليمن تحت الحصار... اليمن تحت القصف... اليمن تحت الاعتداء... والعالم يكتفي بالمشاهدة ذلك لأن المعتدي لديه أموال طائلة، ولأن المعتدى عليه فقيرٌ مهمل منذ 60 سنة لا بل إن الولايات المتحدة تقدّم الدعم للقوات السعودية وتزوّد طائراتها بالوقود والنتيجة جلبت الحرب مزيداً من البؤس والفقر والمرض في جميع أنحاء البلاد.
وتقدّر الأمم المتحدة أن 14 مليون شخص، أي نصف سكان اليمن، معرضون لخطر المجاعة.
ووفقًا لليونيسيف، يعاني 2.8 مليون طفل من سوء التغذية الحاد، منهم 400000 يعانون من سوء التغذية الحاد.
خلال السنوات الأربعة الماضية، كانت منظمة الأمم المتحدة وبخاصة مندوبها لحقوق الإنسان تطالب المرة تلو المرة بإنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات المزعومة من قبل جميع الأطراف في اليمن، ولأكثر من حالة، اعتمد «مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة» بالإجماع قراراً بإنشاء «فريق خبراء بارزين» لإجراء تحقيق دولي في الانتهاكات والإساءات في اليمن، لكن تلك الإجراءات كانت شكلية ودون فاعلية ولا تشكّل ردعاً لأي طرف ما يوحي أن نوايا المجتمع الدولي مشكوك فيها ومخجلة.. كذلك شدد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث على أهمية تحويل الدعوات إلى الحد من التصعيد في اليمن إلى أفعال وأكّد أنه يسعى إلى إعادة إطلاق المحادثات السياسية هذا الشهر، موضحاً أنه لم يتم تحديد موعد أو مكان لها بعد.
بقلم كريستوف بيونيه- Le Monde Diplomatiqe

 

ترجمة :محمود لحام
التاريخ: السبت 7-9-2019
الرقم: 17068