استنساخ الإرهاب من الاستعمار والأعراب


ما زلنا في الجوف نكتوي بالنار التي تحاصرنا من كل صوب والأفق أمامنا كتيم وشبه مسدود، والزمن القادم صار مجرد احتمال افتراضي معتم من قبل ولا نافذة في آخر النفق، ومع كل هذا تتحرك إرادتنا وننحت في الصخر لكي نهدم آخر الحواجز التي تفصلنا عن الاستقرار والنور خلف السدَّ الكتيم، وهذه المسألة العريضة والدائمة هي التي استوعبت خصائص الوطن السوري، واستقبلها الإنسان في هذا الوطن وكأنما هو عصي على الموت قادر على أن ينهض بعد الكبوة وينبعث من قلب الدمار والعاصفة، وبدا وجودنا وليس مجرد تاريخنا هو من نضال عاثر مصطخب لنضال عاثر مصطخب.
ونعلم والآخرون يعلمون أن سيوفنا نبت في وقائع كثيرة وأن أفراسنا كبت في ميادين كثيرة ولكن السيف عاد ومعه الأفراس وهما مادتان لهذا الإنسان في هذا الوطن والقاعدة المنهجية تقول: نعم نمتلك هذا الحق في أن نصف أحوالنا وأن نقدم معاناتنا لذاتنا وللآخرين في كل أنحاء المعمورة فما يحدث فينا وعلينا هو دليل شرف وعنوان شرف، ولكن هذا هو الذي يهزنا لكي نذهب نحو الحقائق الكبرى، فالصراع هو علينا في الظاهر ولكنه لنا في الأعماق ومن الداخل.
وهذا المناخ الذي استغرق قروناً كثيرة وتوطدت على إيقاعه هذه الحالة من الاستقرار والاستمرار لا بدَّ أن نحيطها بظاهرتين الأولى منهما تتمثل في دوام العدوان علينا عبر مراحل التاريخ ويكاد العقل السوري يقول أما آن لهذا الدمار والموت أن يتوقف، أو أن يتعب من صنع له الحقد والرصاصة والفكرة الخبيثة، هذا سؤال برسم القوى الاستعمارية ولاسيما تلك التي استوطنت حتى الآن في الغرب واستدرجت الحركة الصهيونية ووجدت الأتباع والعملاء والعبيد في أوساط الأعراب الذين قال القرآن فيهم «الاعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله».
هذه الظاهرة العدوانية اكتسبت خصائص الاستقرار والاستمرار ومع تقلبات الزمن قديمه وحديثه تحول العدوان والغدر وقتل النفس ونهب الثروات إلى طبع وطبيعة في قوى الاستعمار، وما عاد الغرب ولا الصهيونية العالمية ولا الأنذال المبثوثون في كل دنيانا العربية المنكوبة، كل هؤلاء ما عادوا قادرين على أن يخرجوا من جلدهم أو أن يغيروا خط السير من خارج حدودهم إلى داخلها ولطالما أثبتت الدراسات الفكرية والسياسية أن الدوافع المباشرة قد تغلغت وصار العدوان والقتل نهجاً غرائزياً عند الغرب والصهيونية.
ألا يكفينا أن نقتبس من آلامنا ومن جراحاتنا ومن تواتر المأساة من الأجداد إلى الآباء إلينا الآن معياراً نتعرف فيه بدرجة واضحة قصة هؤلاء المعتدين وقصة وجودنا في مواجهة هؤلاء المعتدين، ونعلم في هذا السياق أنهم هناك عبَّدوا الجريمة وأكلوا لحوم البشر وحينما لم يجدوا في المواجهة عرباً ولا مسلمين ولا مسيحيين ولا بوذيين استداروا بفعل معتقدهم وسلوكهم لكي يقتتلوا وينسف كل طرف الآخر من جذورة فكانت لهم هذه السمة المخجلة في إنتاج الحروب الدينية والطائفية والمذهبية التي استغرقت عقوداً من الزمن وكان وقودها الناس والبارود والأحقاد المتواترة.
ألا يكفينا أن هذا الغرب ومعه الصهيونية قد أنتجوا حربين كونيتين في القرن العشرين بدوافع قد تكون في الظاهر سياسية أو اقتصادية أو دينية لكنها في العمق مؤسسة على نوازع القتل وإزهاق الأرواح ومتعة انتشار الدمار والحرائق والجثث في البر والبحر، حتى لكأنهم قد غادروا منطقة الحياة وانتسبوا إلى هذه الهمجية في غريزة الفتك بالآخر، وعلى ضفاف هذه الظاهرة وعند الدفقات الأولى من نتاجاتها كان هؤلاء المجرمون يتشكلون من جديد بطريقة التناسخ وعندهم سرعان ما تتحول عداواتهم فيما بينهم إلى أسلاك تُعيد ترتيبهم وتنجز منظوراً آخر حيث العالم الآخر خارج حدودهم، عندها يتصارحون ويتصالحون وقد حددوا الهدف الجاذب والناظم لمشروعهم الجديد عبر الوطن العربي المنكوب بالاستعمار العثماني البغيض والغارق في الظلمة والذاهب بأفراده وتشكيلاته نحو الكهوف والزوايا والتكايا، والمترع حتى الثمالة بحكام غرائزهم بطونهم وفروجهم، وهنا كان الهدف البديل فجاؤوا أفواجاً أفواجاً وأخذ كل منهم حصته من الوطن العربي حسب قدرة أنيابهم وأظفارهم المسمومة، وكانت فلسطين العربية الضحية الأبرز والأكثر إيلاماً ولكن المسألة لم تتوقف عند هذا الحدَّ رغم قسوة ما حدث، لقد أدركوا بأن هذه الأمة ومثالها الوطن السوري تمتلك خاصية الصبر على الأهوال والصحوة بعد الكبوة والبناء بعد الانحطاط وأنها بذلك تنتشر، وهذا ما دفع بالاستعمار الغربي الصهيوني إلى البحث في مطارح الكُمون الغربي عن أسلحة جديدة لا تبقي ولا تذر هذه المرة واستنسخ الغرب من ذاته ومن مواصفات العرب المترهلة صيغة الإرهاب بكل ما فيها من أحقاد وجهل وتطرف وأرادوا من هذه الصيغة أن تكون نهاية المطاف.

د. احمد الحاج علي
التاريخ: الاثنين 30-9-2019
الرقم: 17086