ما بــــين طاولــــــة «مناقشــــة الدســــتور» والميــــدان!!

 


بدأت تداعيات تشكيل اللجنة المكلفة بمناقشة الدستور السوري، تلقي بظلالها على المشهد برمته، وخاصة أنها حسمت خيارات المرحلة المقبلة، ولاسيما بالنسبة لمنظومة الإرهاب التي باتت أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاعتراف بالواقع المرتسم على الأرض بقواعده ومعادلاته الجديدة وبالتالي الانصياع لكل ما تتطلبه محاكاة هذا الواقع، بدءاً من الالتزام بكل الاتفاقات والتعهدات، سواء تعهدات ووعود الانسحاب من الجغرافيا السورية أو تعهدات ووعود التخلي عن دعم وحماية الإرهابيين، وهذا ينطبق على الأميركي والتركي معاً، وليس انتهاء بالاعتراف بهزيمة الارهاب على أرض سورية بهمة الجيش العربي السوري.
التوصل الى تشكيل لجنة مناقشة الدستور هو إنجاز سياسي كبير للدولة السورية، ويكاد يكون بتخطيه كل الصعوبات كفيل بإماطة اللثام عن حجم الإحباط الذي ضرب منظومة الإرهاب، ولا سيما الأميركي والتركي اللذان لا يزالان يعيشان وهم تحقيق بعض الأجندات الخاصة، ويعبثان في الوقت الضائع، كما أن قراءة ما جرى من زاوية النصر لدمشق وحلفائها ينبئ على الفور بجولة جديدة قد تكون الأشرس بين أطراف الإرهاب بشكل خاص وبين أدواتهم وأذرعهم الإرهابية على الأرض كتعبير عن حجم الإحباط واليأس.
على هذا النحو يمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة يمكن أن تقلب المشهد بعناوينه وتفاصيله الشائكة والمعقدة، ويمكنها كذلك أن تطيح بكل الطموحات والأوهام والمشاريع التي لا تزال تعشش في بعض الرؤوس الفارغة، وبالإمكان أن نسمي تجاوزاً هذه المرحلة بمرحلة (ما بعد تشكيل لجنة مناقشة الدستور )، على اعتبار أن مجرد الموافقة والتوافق على التشكيل بإرادة وقرار سوري محض قد يشكل مدخلاً لتحولات جذرية في خريطة التحالفات مبدئياً وتالياً في خارطة الصراع والخيارات المستقبلية للعديد من الأطراف.
ولكن رغم تضاؤل التفاؤل بإمكانية حدوث مفاجآت أو انقلابات بمواقف الأطراف المقابلة التي لا تملك مفاتيح قرارها وأمرها، إلا أن مجرد الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة من المستوى السياسي هو مؤشر على بلوغ المشهد لحظة الحسم التي لابد أن تأخذ طريقها وتفرض نفسها على كل المواقف والأجندات والسياسات المرتبطة بالوضع عموماً، ولاسيما تلك الفاعلة والمؤثرة على الأرض والتي لا تزال تترنح وتتباين بين الأدوار والأهداف والمصالح وحجم المكتسبات.
في واقع الأمر وبحسب المعطيات وردود الفعل فإن أبرز الأطراف المتأثرة من تشكيل لجنة مناقشة الدستور، ونقصد هنا الولايات المتحدة والنظام التركي والمجموعات والميليشيات الإرهابية المرتبطة بهما، والتي كانت خارج توافقاتها إلى وقت قريب، قد تحتاج إلى بعض الوقت لتجسيد موقفها النهائي في الميدان، وهذا بسبب حجم التناقضات المعلنة التي تحتاج إلى ترميم أو استئصال جذري لن يكون إلا عبر سياسة الهروب الى الأمام، وهذا الأمر معهود في السياسة الأميركية، على الرغم من (الترحيب) الأميركي المعلن والمصحوب بالوجوم المفرط في دلالاته ورسائله المريبة، وكذلك برغم «الدعم» التركي المصحوب بالاستعراض المفضوح في أهدافه وغاياته.
الأيام القليلة القادمة سوف تكون محوراً لحسم ملفات مهمة، ولاسيما (ملف الميليشيات الكردية الانفصالية) التي تدعمها وتحميها الولايات المتحدة، وكذلك ملف التنظيمات الإرهابية المتواجدة في مدينة إدلب والتي تحميها وتدعهما أنقرة، في مشهد قد يعيد تشكيل خارطة المصالح والتحالفات بين الأميركي والتركي، وفي وقت يجري فيه الحديث عن مقاربات أميركية جديدة (للملف الكردي) انصياعاً لتطورات الواقع المتسارعة في كل الاتجاهات.
لكن لا نعول على أن يكون هناك تغيير واضح وملموس وسريع، ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية والنظام التركي ما زالا أسيري الصدمة التي أحدثها تشكيل لجنة مناقشة الدستور الذي اعتبر كما أسلفنا انتصاراً جديداً وكبيراً للدولة السورية.
ما يسعنا قوله هو أن الخيار الوحيد الذي بات أمام منظومة الإرهاب، خلال المرحلة القادمة، هو مواجهة الحقيقة والاعتراف بعناوينها ومخرجاتها وإنجازاتها والتعامل معها بكثير من المسؤولية، بعيداً عن الغرق في مستنقعات الوهم والطموحات البالية، وغير ذلك هو تضييع للوقت ومقارعة لطواحين الوهم وإصرار على العبث بحوامل المشهد، والاهم غرق في وحول الهزيمة ومتاهات الرماد المتطاير من جمر الخداع والابتزاز والرقص على حبال الاستثمار في مساحات المصالح والمكاسب المتبادلة بين أطراف الإرهاب.
بطبيعة الحال فإن المشهد (ما بعد تشكيل لجنة مناقشة الدستور) بات يشي بكمية كبيرة من الإنزياحات والتحولات المتوقعة في الطرف المقابل أو المحور المعادي ليس على صعيد المواقف الآنية فحسب، بل على صعيد الاستراتيجيات والسياسات المضطرة للتغير بدافع الضرورة من تلقاء نفسها جراء ماحدث.
فؤاد الوادي

 

التاريخ: الأربعاء 2- 10-2019
رقم العدد : 17088