واشنطن وطهران.. من يضبط إيقاع المواجهة المفتوحة بينهما..؟!

 

تتواصل على نحو مقلق بواعث ومؤشرات خطر المواجهة شبه المفتوحة بين واشنطن وطهران، على خلفية ملفات كثيرة ليس الملف النووي الإيراني الذي انسحبت من اتفاقه واشنطن في طليعتها، وقد ارتفع منسوب هذا الخطر في الآونة الأخيرة بعد مجموعة من الأحداث الخطيرة من بينها ما سمي حرب الناقلات في الخليج وإسقاط إيران لطائرة التجسس الأميركية فوق مياه الخليج في رسالة تحدّ غير مسبوقة، إضافة للإنجاز الكبير الذي تحقق لليمنيين في جبهة نجران من بعد عملية ارامكو.
إيران التي تتعرض لحصار اقتصادي أميركي خانق تتشارك فيه مشيخات الخليج وبعض الدول الغربية، ليست في وارد رفع الرايات البيضاء لواشنطن أو التسليم لأجنداتها الاستعمارية والتدخلية في شؤون المنطقة، وقد أعلنت هذا الموقف على لسان قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي والعديد من المسؤولين الإيرانيين، وبالتالي لا يمكن أن ترضخ للشروط الأميركية التي تحاول الدفع بإيران ودورها إلى هامش قضايا المنطقة وأحداثها، في مقابل منح الكيان الصهيوني ومشروعه التوسعي مساحة أكبر في معادلات المنطقة، وهذا ما يجعل من المواجهة مفتوحة الاحتمالات سياسياً واقتصادياً وربما عسكرياً مع تشابك الملفات الإقليمية والدولية وصعود قوى وعودة قوى إلى الواجهة من بينها الصين وروسيا في محاول لالغاء هيمنة القطبية الاحادية المصالح والنفوذ لواشنطن على مستوى العالم
مختصر الكلام، هو أن العالم يعيش هذه الأيام ما يشبه أجواء حرب باردة جديدة وكل طرف من الأطراف الدولية الفاعلة يحاول أن يحسن شروطه في سياقها دون أن تصل الأمور على وضعية المواجهات أو الحروب العسكرية المدمرة التي سيدفع الجميع أثمانها دون شك، وخاصة إذا ما اندلعت هذه المواجهة في رقعة مهمة مثل منطقة الخليج التي تحظى بأهمية اقتصادية خاصة عالمياً لجهة مخزونها النفطي والغازي وموقعها في قلب العالم، حيث للجميع مصالح لا مجال للتضحية بها أو التنازل عنها، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال من الذي يضبط إيقاع المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران ويمنع انزلاقها نحو حرب عسكرية مدمرة..؟!
في الواقع السياسة الإيرانية منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 لا تعوزها الحكمة والواقعية بحيث استطاعت أن تتجاوز الكثير من الصعوبات والمطبات والعراقيل التي اعترضتها وخاصة العقوبات الاقتصادية الغربية القاسية على مدى سنوات طويلة، حيث استطاعت القيادة الإيرانية أن تحول بعض التحديات والصعوبات التي واجهتها إلى فرص حقيقية ونجاحات لافتة في مجالات مختلفة، إذ تحولت إيران خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي إلى قوة اقتصادية وصناعية اقليمية يحسب لها الحساب، كما حققت نهضة داخلية في مجالات متعددة سمح لها أن تضعف سياسة الحصار المفروضة عليها وأن تتغلب عليها، والبعض يؤكد أن الحصار والعقوبات كانا حافزاً للشعب الإيراني من أجل زيادة الإنتاج وتحسين ظروف معيشته والنهوض علمياً واجتماعياً وثقافياً، ليصب ذلك في إطار حماية الثورة ومنجزاتها وتحصين سيادة البلاد من التدخلات والأطماع الخارجية، بل إن المشروع النووي الإيراني المخصص لأغراض سلمية شهد أوج تطوره في ذروة العقوبات الغربية والحصار الغربي، ما استدعى ثلاث عشرة سنة من التفاوض الصعب لحين الوصول إلى اتفاق بين إيران والسداسية الدولية عام 2015 يرضي جميع الأطراف ويحقق مصالح الشعب الإيراني في الحصول على الطاقة النووية السلمية ورفع الحصار الجائر عن بلاده، ولكن القوى المتضررة من نهضة إيران وحضورها الفاعل على الساحة الإقليمية ودورها الايجابي الداعم للعرب في قضية الصراع مع الكيان الصهيوني دفع هذا الكيان وبعض الأنظمة الرجعية الدائرة في الفلك الأميركي لتحريض إدارة ترامب على إلغاء الاتفاق وإعادة عقارب الساعة للوراء، وهو ما لن تسمح به إيران وذلك من موقع القوة لا من موقع الضعف، وقد أثبتت مجريات الأحداث في المنطقة خلال العقدين الماضيين أن إيران قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها أو إلغاؤها، ولعل حربي العراق وأفغانستان وتالياً الحرب على كل من سورية واليمن قد أكدت أهمية هذا الدور في إجهاض وإفشال المشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة، ما يعني أن ايران تشكل قوة ردع حقيقية بذاتها قادرة على لجم أي معتدٍ ودفعه للتفكير كثيراً قبل الإقدام على حماقة العدوان عليها أو الدخول معها في حرب مفتوحة.
على الجانب الأميركي ثمة أمور عديدة تلعب في آلية صنع القرار الأميركي حرباً أو سلماً، فبعد فشل حربي العراق وأفغانستان ــ مع ملاحظة أن هذين البلدين يقيمان أفضل العلاقات مع الجارة إيران الخصم اللدود للولايات المتحدة الأميركية ــ تأكد لصانع القرار الأميركي فيما يسمى الدولة العميقة استحالة فوز الولايات المتحدة بأي حرب في المنطقة وتحقيق الأهداف الموضوعة لها وخاصة إذا كانت إيران طرفاً فيها وهذا ما يجعل خيار الحرب ضد إيران متأخراً أميركياً لا بل مستبعداً أيضاً، إذ ما الفائدة من حرب جديدة لا إمكانية لتحقيق النصر فيها ــ وهناك معطيات تؤكد أن حرب العراق كلفت واشنطن أكثر من 750 مليار دولار إضافة إلى أزمة اقتصادية خانقة عام 2008 أفلست على إثرها أكبر البنوك الأميركية ــ ولذلك ستظل واشنطن تضع خيار الحرب على الطاولة افتراضياً، ولكن دون اللجوء إليه، وفي أميركا ثمة من يعتقد أن التلويح بالحرب قد يأتي بنتائج أفضل من شنها، وهذا ما جعل ترامب يتراجع عن خوضها في أكثر من مناسبة لعلمه بالنتائج المخيبة لأي حرب قد تخاض مع إيران، ثم إن بقاء إيران بهذه (الصورة) ــ كفزاعة افتراضية ــ ترفع في وجه مشيخات وممالك الخليج يساعد الإدارة الأميركية على ابتزازها وسحب الأموال منها تحت عنوان الحماية، وقد كان ترامب وقحاً جداً في التعبير عن نواياه وجشعه في هذا المجال.
إلى جانب ذلك إيران ليست بمفردها في المنطقة كي تستطيع الولايات المتحدة الاستفراد بها وعزلها ومعاقبتها عسكرياً بالطريقة التي يسعى إليها كل من النظام السعودي والكيان الصهيوني، فهناك محور مقاومة ممتد من لبنان وفلسطين وصولاً إلى طهران مروراً بدمشق وبغداد لن يقف مكتوف الأيدي في حال وقوع أي مواجهة بين واشنطن وطهران، يضاف إلى ذلك أن جميع خصوم إيران حالياً يعيشون مآزق كبيرة مستعصية، فترامب يتعرض لصعوبات داخلية كبيرة قد تطيح به من البيت الأبيض، ونتنياهو يعاني فشلاً في تشكيل حكومة جديدة بعد دورتين انتخابيتين وهناك احتمال أن يصبح خلف القضبان بسبب قضايا فساد، في حين يعيش النظام السعودي أصعب لحظاته الحرجة في حربه المجنونة على اليمن بعد هجومي أرامكو ونجران .. كل هذه التفاصيل والمعطيات تضبط إيقاع المواجهة المفتوحة وتحول دون وقوع حرب، لكن هذا لا يعني وقوع المزيد من الأحداث الخطيرة والخطيرة جداً في المرحلة القادمة بسبب الضغوط التي يعاني منها كل طرف من أطراف الصراع.
عبد الحليم سعود

التاريخ: الأربعاء 2- 10-2019
رقم العدد : 17088