موشيه دايان يسقط في حفرة «بارليف وآلون»


يؤكد الحضور القوي والدائم لحرب تشرين التحريرية عام 1973 في الوعي والوجدان العربيين، رغم انقضاء ما يقارب نصف قرن على تلك الحرب، أن تلك المأثرة الخالدة لم تكن مجرد عمل عسكري محدود في زمانه ومكانه، بل مثلت فعلاً عربياً أعاد للأمة الثقة والأمل.
وطوال السنوات الماضية، كان هذا الحدث الكبير محوراً لدراسات وأبحاث مختلفة تناولته من جوانب عدة ومن وجهات نظر مختلفة، مبينة آثاره الكبيرة وانعكاساته العسكرية والسياسية والاقتصادية، كفعل غير الكثير على الصعيدين العسكري والاستراتيجي ولا سيما ما يتعلق بالصراع العربي- الصهيوني.
لقد سقطت خرافات الوهم التي راحت تنسج بعد نكسة الخامس من حزيران لتطوق إرادة العرب، محاولة شل وعيهم بأغلال الذل والعجز والهزيمة الأبدية، دفعة واحدة ظهيرة يوم السادس من تشرين الأول عام 1973، مع اندفاعة المجموعات الأولى من رجال الجيشين العربي السوري والمصري على جبهتي الجولان وسيناء، مجتازة خطي ما سمي (المعجزة الصهيونية) المزعومة بارليف وآلون اللذين تحدى بهما موشيه دايان وزير الحرب الصهيوني آنذاك جيوش العالم ذات يوم، وفي زمن قياسي أذهل كل الخبراء العسكريين بمن فيهم أشد المتفائلين بقدرة العرب.
انطلق المقاتل العربي، وعندما جاءته فرصة حقيقية للقتال ليؤكد أصالة الإنسان العربي، مزيلاً ما نسب إليه زوراً من عجز وتخلف وعدم كفاءة محطماً أوهام (الجيش الذي لا يقهر) ولبتر (الذراع الطويلة) للجيش الصهيوني الذي طالما هدد الغرور الصهيوني بها وبقدرتها على الوصول إلى أي نقطة في الأرض العربية.
يقول بنحاس سابير وزير المالية الصهيوني آنذاك (كان بيننا وبين القضاء علينا خطوة واحدة، فسقط الغرور الذي أخذ من قادة الكيان مبلغه، وتهاوت نظرية الأمن المزعوم التي تمت صياغتها في أعقاب نكسة حزيران، وتصدع ركناها الأساسيان: الحدود الآمنة، والقوة العسكرية المتفوقة، ولم تكن الانعكاسات العميقة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي أقل أثراً).
إن تذكر تلك الأيام الزاهية في تشرين لا بد أن يستحضر إلى الذهن مباشرة ما تعرضت له سورية من حرب عالمية في أشرس صورها، حرب مركبة ومعقدة للغاية أسقطت فيها كل المعايير الإنسانية، حرب قوامها الكذب والنفاق والمصالح الصهيو-أميركية وليس لها أي علاقة بكل الشعارات المخادعة التي تسترت بها، ففي سورية تفاصيل المؤامرة جهزت على مراحل وحلقات وبمشاركة دول عربية وإقليمية، ومع كل هذا وذاك، أثبتت سورية بجيشها وشعبها وبدولتها الوطنية أنها قادرة على الصمود، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية وها هي اليوم تقف شامخة على أهبة الانتصار.
فالمعركة لم تكن يوماً في سورية هي معركة مع مجموعات إرهابية عابرة للقارات بقدر ما هي معركة مع نظام عالمي جديد يرسم وينسج مؤامراته في سورية، ليعلن قيام النظام العالمي الجديد الذي تحكمه قوى الإمبريالية، إنها مؤامرة تعكس حجم الأهداف والرهانات المتعلقة بكل ما يجري في سورية، وهي أهداف تتداخل فيها الحسابات الدولية مع الحسابات الإقليمية، كما تتداخل فيها ملفات المنطقة إلى أقصى الحدود، إلا أن الجيش العربي السوري صمد وكسر بصموده كل الرهانات، وحقق في الميدان إنجازات كبيرة أذهلت العالم وغيرت سياسات ورسمت معادلات جديدة.
إن ثبات الجيش العربي السوري على مبادئه الوطنية والقومية وعدم حياده رغم كل الأحداث عن أن العدو الأول والرئيس للأمة العربية هو الكيان الصهيوني، وأنه لا يمكن أن يتخلى عن عقيدته الوطنية والقومية في التحرير والتمسك بالقضية الفلسطينية، ولا يمكن للإرهاب مهما اشتد أن يحرف بوصلته عن فلسطين.
شكل الجيش العربي السوري القاعدة الصلبة لدعم المقاومة الوطنية اللبنانية، وشكل أيضاً العمود الفقري لمحور المقاومة في المنطقة، وبات واضحاً لقوى المؤامرة الإرهابية أنه بدون كسر ضلع منظومة المقاومة الأقوى ألا وهو الجيش العربي السوري لن يكتب النجاح لها في أي مكان من المنطقة.
حطم الجيش العربي السوري ببسالة فائقة أعتى موجات الحرب الإرهابية الكونية المستمرة، وعلى صخرة هذا الجيش العظيم انكسرت المشاريع الكبرى المخطط لها فيما يسمى (الربيع العربي) وفي المقدمة مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهذا ما استثار حنق مشغلي الإرهاب العالمي أخيراً فضاعفوا من دعمهم وزجهم لموجات جديدة من العصابات الإرهابية مدعومة بإمكانات جيوش الجوار مثل الأردن وتركيا لشل قدرات الجيش العربي السوري كلياً.
بات الجيش العربي السوري الأمل المرتجى الوحيد، ليس لكل سوري فحسب، بل لكل عربي ولكل من يقطن في المنطقة لتخليصه وإنقاذه من براثن التنظيمات الإرهابية وفظائعها الدموية وعلى المستويين الإقليمي والدولي تولد إجماع على قدرة رجال القوات المسلحة السورية على محاربة الإرهاب والقضاء عليه، فيما أخفقت قوى عظمى تقودها الولايات المتحدة في تحقيق أي إنجازات تذكر في هذا السياق.
اكتسب الجيش العربي السوري مكانة رفيعة وسامية ببطولاته وتضحياته منقطعة النظير واحتل قلوب كل السوريين وزاد حبهم والتفافهم حوله، وبفضل ما بذله من دماء زكية وطاهرة تم قطع طريق تدمير الدولة السورية ومؤسساتها، وواصل المواطن السوري دورة حياته متحدياً قذائف الموت وجرائم الإرهاب والإرهابيين التي لم يحصل لها مثيل في تاريخ الحروب والصراعات.
والخلاصة.. راهنوا على انهيار الجيش ففشلوا وزاد تماسكاً، وراهنوا على تفكيك اللحمة بين الجيش والشعب فتبددت أحلامهم، ولا شك أن شعباً صمد صموداً أسطورياً وتلاحم مع جيشه تلاحماً فولاذياً لا يمكن أن يغلب، ويقين السوريين كل السوريين يزداد يوماً بعد يوم أن ساعة الهزيمة لأعداء سورية مؤكدة وأن ساعة الانتصار آتية لا ريب فيها.

حسن حسن
التاريخ: الأحد 6-10-2019
الرقم: 17091