أرضاً وبحراً وجواً.. وسام الجيش العربي السوري يضيء توقيت تشرين


بدأ هجوم الجيش العربي السوري في الساعة الثانية من بعد ظهر يوم العاشر من رمضان 6 تشرين الأول 1973، وكانت السماء صافية والشمس تميل نحو الغرب داعية القوات السورية المهاجمة لمحو عار هزيمة يوم 5 حزيران 1967. وانتهت عمليات اليوم الأول بنجاح عظيم، فقد تمكنت معظم القوات السورية من عبور الخندق المضاد للدبابات واستولت على معظم الموضع الأول المعادي، وجرفت القوات السورية الأعداء أمامها كالمياه الطامية ـ على حد تعبير أحد الضباط الإسرائيليين الذين تراجعوا في الجولان المحتل.
اللافت في اليوم الأول تغلب الجيش العربي السوري على الحروب الخاطفة (للجنرالات) الإسرائيليين حيث شكل هذا النوع من الحروب حجر الزاوية في خططهم للغزو الاستعماري الصهيوني، غير أن بطولة المقاتلين السوريين غلبت، وتعتبر معركة تل السقي وناب برهان نموذجاً واضحاً على تحطيم أسطورة الحرب الخاطفة، كما اتسمت معركة جبل الشيخ بأهمية عسكرية بالغة وتعتبر من الأحداث المهمة في حرب تشرين فهي أول معركة استطاعت أن تحطم الغرور والادعاء الإسرائيلي، وفيها تمكنت قواتنا الخاصة من استرجاع موقع مهم لطالما كان العدو يعتبره حصنه المنيع.
ومع فجر 7 تشرين الأول تابعت التشكيلات السورية والتشكيلات المؤازرة لها تقدمها في عمق مواقع العدو الدفاعية، ومن أجل استثمار نجاح تشكيلات النسق الأول وسبق العدو في دفع احتياطاته، فأمرت القيادة العامة للجيش العربي السوري في الساعة 8,00 بزج الفرقة الأولى دبابات في المعركة فكانت معركة كفر نَفَاخ وهي معركة الدبابات التي حمي وطيسها في منطقة كفر نفاخ وسجلت حضوراً عظيماً في سجل تشرين للجيش العربي السوري خاض الجيش بعدها عدة معارك للدبابات حينها، فصدام الدبابات الذي استعر لهيبه في منطقة الدبورة يعد مأثرة بطولية في تاريخ حرب تشرين كذلك كانت معركة المشتى -اليعربية معركة عنيفة، تناثرت فيها هنا وهناك بقايا الدبابات المدمرة أو المشتعلة.

وعلى الرغم من أن العدو كان يشن الهجوم المعاكس تلو الهجوم المعاكس، فقد كان رجال الدبابات السوريون يهاجمون بجرأة ومهارة، منزلين بالعدو خسائر فادحة في الأفراد والمعدات، وخاضوا في نفس اليوم معركة الخشنية ونجحوا بعد ضربة مفاجئة، في عبور الخندق المضاد للدبابات، واختراق المواقع الدفاعية المعادية. ولم ينتهِ اليوم السابع من تشرين بل كان طويلاً وشهد أيضاً معركة تل الفرس عند الساعة الثالثة ظهراً حيث انطلقت الطائرات العمودية السورية من قواعدها تحمل مجموعات الإنزال الجوي من قوات حطين لتبدأ عملية تحرير تل الفرس وصور تشرين التحريرية توثق أبواب الحوامات المفتوحة وحماس المقاتلين للحظة الصدام مع العدو.
خلال الأيام من 8 حتى 10 تشرين الأول، كانت القوات السورية والقوات الصديقة لها تخوض المعارك الضارية ضد العدو الذي كان ضغطه ما يفتأ يزداد، وبالإضافة إلى القوة المدرعة التي كانت تعمل بالفعل في ميدان القتال، فقد أخذ العدو يزج في المعارك بقوى جديدة مدرعة وميكانيكية فبدأ الهجوم المعاكس الإسرائيلي.
كان هدف العدو الإسرائيلي من الخرق هدفاً سياسياً أكثر مما كان عسكرياً، وذلك ليغطي خسائره الكبيرة في الأرواح والعتاد، وليعلن عن وجوده الرمزي شرقي خط وقف إطلاق النار السابق في الوقت الذي يعلم أن الجهود السياسية الدولية تبذل من أجل وقف الحرب.
من اليوم 11 حتى 14 تشرين الأول شهد القطاع الشمالي من الجبهة تحولات كبيرة، ففي الساعة 14,30 من ظهر يوم 11/10 تلقى أحد الألوية المدرعة السورية مهمة ملاقاة العدو المتقدم على محور (جباتا الخشب -طرنجة - بيت جن) كان العدو قد بدأ بخرق خط وقف إطلاق النار بعد ظهيرة ذلك اليوم بعد رمي تركيز جوي ومدفعي كثيفين بقوى مجموعة قتالية مؤلفة من لواءي دبابات ولواء مشاة ميكانيكي. وفي يوم 13 من المعركة بدأت الغارات السورية إحداهما على مزرعة بيت جن، والأخرى على قرية بيت جن، وانتهى الهجوم المعاكس الإسرائيلي على الجبهة السورية ابتداءً من صباح 15/10 وأيقنت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن التقدم أكثر يعني تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي.
التفوق السوري..
تمكنت القيادة العامة للقوات المسلحة السورية من تجهيز عدة ألوية مدرعة بدبابات، وكان هناك دعم روسي عسكري، وبعد دراسة خطة العملية الهجومية من قبل القيادة العامة السورية تمت الموافقة على شن الضربة المعاكسة في الساعة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول 1973. وأهم ما جرى في هذه الفترة معارك جبل الشيخ الدفاعية، ويدور الحديث هنا عن المقاتلين المغاوير، الذين تجلت صفاتهم البطولية في أكثر الأيام بلاءً وصموداً، فوق مرتفعات جبل الشيخ، وإن خلف كل صخرة، وكل هضبة، مأثرة من مآثر الدفاع البطولي، الذي تجسد شجاعة المحاربين المغاوير وتفانيهم.
كانت معركة تشرين التحريرية تجري في السماء والأرض والماء، فقد كانت الطائرات الإسرائيلية تصطدم بحاجز اللهب، عندما كانت تحاول مهاجمة القوات العربية السورية في الجبهة الشمالية التي تتمتع بأقوى أجهزة الدفاع والقتال الجوي وأحدثها، وإن كل ثماني طائرات إسرائيلية تحاول اختراق هذا الحاجز يعني التضحية بسبع منها.
كما خاضت القوى البحرية في الجمهورية العربية السورية لأول مرة في تاريخها الحديث معارك ضارية في حرب تشرين التحريرية بدأت في اليوم الأول لبداية هذه الحرب، هذه الأعمال القتالية التي دارت في البحر وعلى الساحل جديرة بالاهتمام والدراسة، لأن طبيعة الصراع المسلح في البحر وعلى الساحل لها خصائصها المختلفة كل الاختلاف عن الصراع المسلح في البر والجو.
وإذا كانت البحرية السورية قد خاضت جميع معاركها ضد عدو متفوق في العتاد من الناحيتين الكمية والنوعية، وفي زمان ومكان كان العدو يختارهما، فإننا ندرك أهمية الدور المشرف الذي قامت به البحرية السورية في الدفاع عن المياه الإقليمية للجمهورية العربية السورية.
لقد قاتل رجال البحر بشرف ورجولة ولم يمكنوا العدو الإسرائيلي من تلويث شواطئ بلادنا، وسجل تشرين مليء بتفاصيل المعارك الأربع التي جرت بين القوات البحرية السورية وقوات البحرية الإسرائيلية، وهي خير دليل على بطولات هؤلاء البحارة المقاتلين.
لقد أحدثت حرب تشرين التحريرية آثاراً ونتائج كبيرة للغاية هزت العالم أجمع، من مغربه إلى مشرقه، وأصبحت نظرة المجتمع الدولي إلى العرب بعد ما سمي حينها الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، تشرين الأول 1973، تختلف عن نظرته السابقة إليهم، فقد انتزعنا كسوريين زمام مبادرة الحرب من إسرائيل وحررنا أراضٍ عربية سورية كنا قد خسرناها في نكسة حزيران، فقد مهدت تشرين التحريرية لحرب استزاف العدو وتحرير القنيطرة بشكل كامل ونهائي، فجاء الرئيس الأميركي نيكسون إلى سورية مع وزير خارجيته هنري كسنجر وأبدى الرئيس الأميركي اهتمام بلاده والتزامها بالقرارات الأممية لانسحاب اسرائيل من الأراضي العربية، فما كان من اللوبي الصهيوني إلا أن دبر لنكسون فضيحة (ووتر غيت) التي قدم الرئيس الأميركي آنذاك استقالته بسببها وحتى يومنا هذا لا يزال اللوبي الصهيوني يتحكم بأميركا.

إعداد زينب العيسى
التاريخ: الأحد 6-10-2019
الرقم: 17091