عندما انتهت أسطورةالجيش الذي لا يقهر


أرخت حرب تشرين التحريرية بظلالها الوارفة ليس فقط على السوريين بل أيضا على الصعيدين العربي والدولي، فقبل هذه الحرب كانت المنطقة العربية تعيش حالة من الصدمة على إثر هزيمة عام 67 والتي أصابت الفعل القومي العربي آنذاك في مقتل وجعلته أسير اليأس والتشاؤم والخوف من المجهول.
من هذا الواقع العربي المحبط بدأ التحضير لحرب تحرر الأرض المحتلة والروح العربية ايضاً من قيودها، فكان السادس من تشرين 1973 بداية الانطلاق نحو مدارات الكرامة والمجد والحرية والعمل على استرجاع كل الحقوق المغتصبة، حيث بعثت الروح في الفعل العربي المقاوم وبدأت ملامح عصر جديد تلوح في الأفق، عصر أرخ بدايته انتصار تشرين وتحطمت فيه أساطير الوهم والخداع ونظريات الجيوش التي لا تقهر، وحلت محلها حقيقة الشعوب التي لا تقهر.
لقد كانت مرحلة ما بعد حرب تشرين، مرحلة غنية بنتائج الانتصار التي لم تقتصر على المنطقة فحسب، بل تجاوزت الحدود لتصل إلى العالم بأسره، وهذا ما ضاعف من أهمية تلك النتائج لجهة زخمها وصياغتها لقواعد ومعادلات جديدة لاستراتيجيات الصراع مع العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة والأنظمة والدول الحليفة والشريكة لها.
كانت نتائج انتصار تشرين كارثية على الكيان الصهيوني، وقد لخصها وزير الخارجية الفرنسي السابق ميشيل جوبير بقوله: (لقد انتهى عصر ألف ليلة وليلة في إسرائيل، وعلينا أن نتعامل مع العرب بعد اليوم على أساس جديد).
لقد حققت حرب تشرين التحريرية التي قادها القائد المؤسس حافظ الأسد نتائج استراتيجية تجاوزت بتداعياتها وآثارها العالم العربي لتطول المشهد الدولي برمته، إلى درجة أنها أحدثت انقلاباً في فهم ومقاربة دول الاستعمار الكبرى للفعل العربي، وكانت نتائجها استثنائية بثت الحياة في الجسم العربي وانتزعت زمام المبادرة من العدو الإسرائيلي، وكان هذا لأول مرة في تاريخ العرب الحديث، فالقرار التاريخي الذي اتخذته سورية ومصر يوم السادس من تشرين الاول عام 1973 شكل القرار الأكبر شأناً ليس في تاريخ العرب المعاصر فحسب، وإنما في تاريخ العالم المعاصر أيضاً، فالأمة العربية التي ما فتئت تتلقى الضربات منذ مطلع القرن العشرين، وعلى وجه التحديد منذ وعد بلفور 2 تشرين الثاني 1917، وحتى أوائل السبعينيات، تجدها تنهض من من تحت الرماد وهي مصممة على استعادة أراضيها المحتلة، لتوجه للكيان الصهيوني ضربتين متزامنتين، واحدة على الجبهة السورية والثانية على الجبهة المصرية لتنبه الرأي العام العالمي إلى أن العرب هم أصحاب الحق والأرض
وحين بدأ العالم يلحظ تقدم الجيش العربي السوري في حرب تشرين سرعان ما ظهرت في الشارع العربي نتائج الحرب كحقيقة وواقع ملموس عززت واستعادت قيمة وكرامة الإنسان العربي، ونستذكر في هذا السياق ما قاله القائد المؤسس حافظ الأسد: (لقد أعادت حرب تشرين الثقة إلى الإنسان العربي وأعادت إليه اعتزازه بشخصه وأمته وارتباطه بأمسه ويومه وغده، وحلت عقدة الذنب والشعور بمرارة الهزيمة والتقصير، وأحيت في أعماقه الأمل والرجاء، وبعثت فيه القوة والجرأة، والقدرة على الصمود والتحدي والفعل).
إن دك حصون العدو الإسرائيلي بهذا الشكل البطولي من قبل الجيش العربي السوري قد برهن للعالم أجمع على أن إرادة الحق هي الأقوى وأن (أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر) هي كذبة صهيونية كبرى سوقتها إسرائيل لإرهاب العرب، لتجيء حرب تشرين التحريرية وتعيد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي.
لقد أثبت معركة 1973 أن (إسرائيل) مجرد كيان غير قادر على الاستمرار في المنطقة دون دعم الولايات المتحدة الأميركية، وعلى سبيل المثال، كان من المفترض أن تقدم الصناعة العسكرية الإسرائيلية معظم ما يحتاجه جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب تشرين ولكن ما إن مضى أسبوع واحد على القتال حتى بدا واضحاً للعيان أن (إسرائيل) باتت تقف على شفا الهاوية، وأن صناعتها الحربية لم تتمكن من أن تلبي متطلبات الحروب المعاصرة، بل لا يمكن أن تسد جزءاً من الخسائر التي مُنيت بها في الأيام الأولى من الحرب.
كما أثبتت حرب تشرين أن رجالات جيشنا الباسل يحسنون استخدام الأسلحة المتطورة لتنتهي معها عقدة (التكنولوجيا) التي حاولت (إسرائيل) بكل أجهزة الإعلام التي تملكها وتوجهها الصهيونية العالمية، غرسها في النفوس.
في وصف حرب تشرين وقدرة الجندي العربي السوري على هزيمة العدو الصهيوني نستذكر ما قاله القائد المؤسس حافظ الأسد عندما وصف إحدى صور الحرب بقوله: (تصوروا جبهة جبلية عرضها سبعون كيلو متراً وعمقها أقل من ذلك بكثير، يحتشد فيها ألفان وخمسمئة دبابة وآلاف المدافع وعشرات الألوف من الجنود المجهزين بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً، ابتداءً بالبندقية والرشاش، ومروراً بالقنابل المحرقة والمدمرة، وباصقات اللهب، وانتهاءً بمئات الطائرات القاذفة والمقاتلة وطائرات الهيلوكبتر التي كان لها الدور البارز في المعركة.. تصوروا قتالاً شرساً يدور في هذه الجبهة الضيقة ويستمر نهاراً وليلاً طوال أيام، وسط بركان يتفجر بكل أنواع الحمم، وتتساقط عليه حمم الطائرات، فلا يبقى شبر من الأرض بلا نار وحطام وضحايا، ولا فسحة من الفضاء، لا تغطيها طائرة مغيرة أو مجموعة قنابل في طريقها إلى الانفجار.. ثم ينكشف ذلك كله عن أرض غُطيت كلها بالحديد والدم، هذه هي معركة الجولان التي خاضها الجيش العربي السوري وسجل فيها أروع ما في تاريخ الحروب، قديمها وحديثها من بطولات وتضحيات.. لا نتعدى الواقع إذا قلنا إنها أشبه بالأساطير).
على الصعيد الدولي كان لحرب تشرين التحريرية دور بارز فقد تركت آثاراً واضحة، وأحدثت تغييرات أساسية في مواقف الكثير من دول العالم التي باتت تنظر بغير العين التي كان ينظر بها للعرب بعد حرب حزيران 1967، ذلك أن المجتمع الدولي لا يمكن أن يتحسس بقضية تركها أصحابها ولم يحركوا ساكناً، لذلك عندما قرر العرب في السادس من تشرين 1973 لتحرير أرضهم استفاق المجتمع الدولي الذي شعر بتقصيره حيال الأمة العربية بعد حرب حزيران 1967، ولذلك أيضاً بدأت الدول الكبرى العمل الحثيث من أجل وضع أسس الحل العادل للنزاع العربي الإسرائيلي موضع البحث والتنفيذ.

فؤاد الوادي
التاريخ: الأحد 6-10-2019
الرقم: 17091