آليــــات فـــــي التحـــــرك الوطنــــي والاجتماعـــــي


ما زلنا نتذكر من دروس الحرب الإرهابية على بلدنا كيف سعت «الميديا «الدولية منذ اللحظة الأولى إلى تجييش ثقافة الاختراق لكل ما توافق عليه المجتمع السياسي في سورية خلال عقود مضت من الزمان وتشكّلت فيه صورة الدولة الوطنية التي لها تجربتها في التمثيل الديمقراطي على صعيد الشعب، كما لها خصوصيتها في التوحيد الاجتماعي لفئات الشعب وتشكيلاته. مثلما أصبح لها هوية خاصة في وجود الدولة العميقة والحاكمية ما أعطى بلدنا من عناصر القوة، والمناعة الوطنية الحالة التي لا تتفق مع الجيواستراتيجيا الأمروصهيونية في المشرق العربي، ولا مع مطامع أميركا في إعادة بناء شرق المتوسط بما تتحقق فيه أحلام بناء الشرق الأوسط الجديد والكبير كما رسمت خارطته عودة مطامح الاستعمار الجديد بثوبه العولمي الليبرالي المتوحش. وعليه فقد جاء»الربيعُ» ببرامج خارجية تُسقَطُ على توجهات داخلية، وآليات رجعية تستبعد الرؤى الوطنية التقدمية ووسائل تحريك سياسي لاستعادة حراك المجتمع القديم، وقيم متخلفة في حراك اجتماعي مبرمج من الخارج يدّعي التمثيل الشعبي ببعديه: الديمقراطية، وحقوق الإنسان. ومرجعية إقليمية ودولية تجعل من المساهمين فيها دمىً تتحرك بكونترول أمروصهيوني.
ووفقاً لمقتضاه سُخّرت الأدوات الإقليمية لتضخّ في الجغرافيا السورية قطعان التوحش الوهابي والإخواني. ودارت المعركة الداخلية بين قوى التكفير الخارجة عن كافة النواميس المعمول فيها في تاريخ البشرية، وبين قوى الوطن الحيّة التي لم تتنازل عن دولتها الوطنية ولا عن مشاريعها في الأمن، والاستقرار، والبناء، والتنمية. ومعروف كم اجتهد الحلف الأمروصهيوني لكي يجعل من مجتمعنا يهاجر من نمطه التنظيمي الذي بناه، وبُني عليه منذ العام 1963م، ويعود إلى نمطيته التاريخية التقليدية التي اكتسب فيها الانتظام الاجتماعي الطبيعي في التاريخ.
وهذا يعني أن بُنى التقدم خطط الحلف الأمرصهيوني لهدمها واستحضار بنى الرّجعة والتخلف. وبُنى الوحدة الوطنية خطّطوا لتحطيمها واستعادة الانقسام، والتّمزّق الوطني حتى يتم إلغاء أكثر من ستة عقود من التوجه نحو المستقبل والمستقبلانية. وقد تأكد السوريون عبر حربهم الوطنية التي قادوها إلى جانب جيشهم البطل، وحلفائه، ودولتهم الصامدة أن تدمير الدول كما كان يخطط له بولتون في البتناغون في العقيدة الأميركية التدميرية هو النهج المتواصل لأميركا، وأن المستفيد الوحيد من هذا النهج هو كيان العدوان الصهيوني لذلك اشتدّت عزيمة شعبنا على المقاومة لدحر الإرهاب الدولي وتخليص شعبنا من ظلامية أولئك الذين أتوا بهم باسم الإسلام، وليس للمسلمين منهم أي منجىً. وما سيبقى أمام النظر هو الطريقة التي أدار بها نادي العدوان الدولي حربه الإرهابية على سورية والذرائع التي استخدمها وكلما كُشف أمرُ ذريعة لعبَ بغيرها حتى استنفد ذرائعه، وضيّع قواعد اشتباكه، وخرج من معظم ما كان يسيطر عليه من أرض ومع ذلك بقيت أحابيله في السياسة هيَ هي.
حيث وجدناه لا يقرُّ لسورية بأي انتصار ميداني حتى يمدّ زمن اللعب بأوراقه التي سقطت جميعها. وكذلك لم يكفّ عن دعم الإرهاب، ولا عن توفير ظروف إدامته، واستثماره حتى يبقى الإرهاب ذريعته في التواجد غير الشرعي على الأرض السورية. ونعرف جيداً أنه كلما تقدم الجيش في موقع، ولاسيما في إدلب اليوم يشتدّ سُعار القوى الغربية المتصهينة حتى لا ينجز الجيش والحلفاء النصر على الإرهاب، وتغدو أوراق الحل السياسي الوطني بناء عليه.
ومن الواضح للمجتمع الدولي أن سورية لم تدّخر أي جهد في تسهيل الوصول إلى الحل الوطني سواء عبر آليات جنيف، أم آليات أستانا وسوتشي، وأنقرة لكن مظاهر التسييس التي تضعها أميركا والصهيونية عصا عرقلةٍ في الوصول إلى الحل السياسي هي المحور الحقيقي في سياسة حلف العدوان الإرهابي علينا.
وفي الآونة الأخيرة سهّلت سورية إخراج لجنة مناقشة الدستور بعد زيارة بيدرسون الأخيرة إلى دمشق، واتفق على أن تتمثّل في حوار سوري-سوري بقيادة سورية، ودون أي تدخل خارجي، ولاسيما فيما يتعلق بأن تكون هذه اللجنة التي يتولى السوريون تنظيمها، وقيادتها بأنفسهم بداية طريق سياسي نحو حلّ الأزمة بالانسجام مع قرار الأمم المتحدة 2254 المبني على أساس الالتزام القوي بسيادة سورية، واستقلالها، ووحدة أراضيها.
وبالرغم من هذه الجدية بالتعامل مع بيدرسون سوف نجد أن المرجعيات الإقليمية والدولية لن تسمح للمعارضات بدخول شروط مساحة جديدة من العمل السياسي تكون فيها السيادة السورية هي الأساس في كل نقاش داخل هذه اللجنة خاصة حين خضع العديد من المعارضين، ومنصّاتهم إلى مفاهيم الملقّن الأمروصهيوني لهم حيث صدر عنهم بيان على أعقاب إعلان غوتيرس الأمين العام للأمم المتحدة عن تشكيلها زعموا فيه أن عمل اللجنة ليس تعديل الدستور الحالي المقرر من الشعب عام 2012م بل صياغة دستور جديد؛ علماً بأن مهام اللجنة التي أوصى بتشكيلها مؤتمر الحوار الوطني السوري-السوري الذي انعقد في مدينة سوتشي الروسية بداية عام 2018م محصورة في مناقشة مواد الدستور الحالي، وليس صياغة دستور جديد.
وحين نتناول هذا الحال في دراساتنا حول الأزمة، والحل السياسي في سورية، ونأخذ براهيننا من آخر التصرفات والسلوكات الأمرصهيونية أعرابية أردوغانية إنما نحب أن نخلق بيئة سجال سياسي داخلي وطني يحقق شرطية التحرك التوحيدي على صعيد الداخل السوري، ويُعيد تنضيدَ الوعي الاجتماعي والسياسي بما يستوعب الحقائق الكاملة، والدّوافع الخفية، والمعلنة لهذه الحرب علينا حتى تتواصل الفئات، والشرائح الوطنية عبر منهج تحالفي داخلي يفرض أوراق الحل. وصيغ الخروج من الأزمة لكون الحلف المعادي لا يريد للداخل السوري أيّ حراكٍ مؤثر في إيجاد شروط الحل السياسي بل يريده دوماً على قناعة بأن الحل لا يمكن أن يكون إلا عبر شكل من أشكال التفاهم الدولي، والإقليمي عليه؛ وهذه القناعة تلغي الإرادة الداخلية للجماهير الوطنية التي أفشلت المشروع الوهابي الإخواني عليها رغم ما تجمّع حوله من عدد من الدول زاد على الثمانين دولة. ومن انتصر في الميدان بإرادة المقاومة وتضحياتها هل من الممكن أن يُجبر على التراجع عن حقوقه في التداول السياسي والدبلوماسي، فالموقف دوماً هو لإرادة الكفاح من أجل إحقاق الحق وإرادة الجماهير الوطنية في سورية لم تُهزم عبر كفاحها في التاريخ لتحرير وطنها، ولن تهزم اليوم مهما بدت عليه غطرسة المعتدين.

د. فايز عزالدين
التاريخ: الاثنين 7-10-2019
الرقم: 17092