النظـــــام الســـــعودي وأســـــرار الدعــــــم الأميركـــــي لابن ســــــلمان


طبقاً لتصريح أطلقه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو نشره إحدى مواقع الإنترنت بعد مكالمة هاتفية مطوّلة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ذكر الموقع أن الجانبين تناولا «التطورات الثنائية والإقليمية، ولاسيما العمل ضد إيران وحقوق الإنسان».
وثمة عدة نقاط تستحق الإشارة إليها في هذا السياق، أولاً: هي أن بومبيو كجميع مسؤولي الإدارة الأميركية بمن فيهم دونالد ترامب نفسه يتواصلون أكثر فأكثر مع محمد بن سلمان بدلاً من أبيه الملك لحل المشكلات الحالية بمساعدته، ما يظهر بوضوح أنه صاحب الكلمة الأولى في الرياض، وهذا ليس مستغرباً إذا ما اعتبرنا أن ابن سلمان يستغل شيخوخة أبيه وتردي حالته الصحية للإمساك شيئاً فشيئا بزمام السلطة في البلاد، أما المسؤوليات الملقاة على عاتق الملك السعودي فلا تتعدى الرسميات كالظهور في المناسبات العامة.
ثانياً: ينوي الجانبان النهوض بحرية الملاحة في الخليج التي لا تزال السفن الحربية الأميركية والبريطانية ترابط فيه حتى اللحظة وبعيداً عن سواحلها، وبالتالي يدرك العالم كله من الذي يشكّل تهديداً في تلك المنطقة، وفي الواقع عرضت إيران على جيرانها العرب مرات كثيرة توقيع معاهدة تضمن حرية الملاحة وحماية ناقلات النفط في الخليج، لكن الرياض أدارت الظهر ورفضت قطعياً الدخول في هكذا مبادرة، وكذلك رفضت دول أخرى واقعة تحت النفوذ السعودي دعم هذه الخطة الرامية إلى ضمان حرية الملاحة في هذه المنطقة المهمة من العالم، باستثناء قطر التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، الدول العربية الأخرى لم تلتفت إلى وجهة النظر هذه أو بالأحرى فضلت البقاء تحت المظلة الأميركية والبريطانية كما كانوا في العهد الاستعماري.
وقد جرى اختلاق سبب لتبرير وجود السفن الحربية الأميركية والبريطانية في هذه المنطقة لضمان حرية الملاحة بزعم أن البحرية الإيرانية اعترضت سبيل ثلاث ناقلات نفطية واقتادتها لاحقاً إلى الموانىء الإيرانية حيث خضعت لتفتيش دقيق مع بحارتها، وشحناتها غير القانونية التي اكتشفت فيما بعد، وعلى الأثر أصدرت المحاكم الإيرانية مذكرات تحتجز بموجبها الناقلات النفطية ومصادرة شحناتها وفقاً للقانون الدولي الخاص بعمليات التهريب، ويظهر بالتالي أن السفن الحربية أرسلت إلى الخليج بطلب من الرياض والتي سينتهي بها المطاف ليس حماية السفن الشرعية فحسب، بل حماية ناقلات النفط المهرب أيضاً.
وبمعنى أدق، تشجّع واشنطن كسابق عهدها، ليس عمليات نقل النفط غير القانونية فقط، وتهريب السلع الأخرى أيضاً، ولا غرابة في هذا إذ يكفي أن نضرب مثلاً واحداً على ذلك، كل عمليات تهريب المخدرات السرية من أفغانستان كان يقوم بها أميركيون، منذ 18 عاماً احتلت الولايات المتحدة أفغانستان بذريعة واهية، وقد نجحت في زراعة 40 نوعاً من نبات الخشخاش (هذه النباتات تستخدم في إنتاج أنواع من المخدرات ذات التأثير القوي)، وقد ابتكرت وكالة المخابرات الأميركية(سي آي إيه) طريقة لنقل المخدرات الرائجة من أفغانستان إلى الولايات المتحدة وأوروبا عبر استخدام طائرات الشحن العسكرية التي لم تكن تخضع لأي رقابة جمركية أو أي تفتيش، ولم يكن غربياً أن يكون طلب الخدمة العسكرية في أفغانستان خياراً شعبياً في البنتاغون، فالعسكريون الذين خدموا في أفغانستان وعادوا منها سرعان ما أصبحوا من أصحاب الملايين.
ثالثاً: بخصوص مسألة «التوترات المتزايدة» أوصى الجانبان خلال المكالمة الهاتفية برفعها والتي كانت بسبب الإجراءات التي اتخذها محمد بن سلمان بعد التدخل بشؤون اليمن ومحاولته إقامة نظام حكم تابع برئاسة عبد ربه منصور هادي الذي ما لبث أن لاذ بالفرار إلى الرياض، وبعد ذلك بدأت القنابل السعودية بالتساقط على الشعب اليمني وقد راح ضحيتها أكثر من 70 ألفاً منهم في غضون الأربع سنوات الماضية، في محاولة منها لفرض هيمنتها على شبه الجزيرة العربية، وقد أنكر الحكم السعودي أن للشعب اليمني مطالب مشروعة، وبدلاً من ذلك أراد للعالم أن يعتقد أن هؤلاء يتحركون على حدّ زعمهم بدعم وتحريض إيراني، رغم سقوط عشرات الآلاف من القتلى وانهيار البنية التحتية لليمن، وإنفاق أكثر من مئة مليار دولار وتراجع سمعة المملكة السريع على الساحة الدولية، وفي ظل إدارة ولي العهد وجدت نفسها غارقة في مستنقع يصعب الخروج منه، وفي رأي الكثير من رجال السياسة المحنكين، فإن كل هذا من شأنه أن يعيد طرح وجود المملكة نفسه على بساط البحث.
وفي حين توجه الرياض قذائفها وصواريخها نحو جارتها اليمن، تمدّ إيران يد العون وترسل مساعدات إنسانية إلى اليمن وذلك بسبب الأوضاع الحالية السائدة في البلاد، كما أعلن محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني خلال لقائه محمد عبد السلام الناطق الرسمي باسم حركة أنصار الله.
والخلاصة لم تخرج المكالمة الهاتفية بين مايك بومبيو ومحمد بن سلمان بأي نتيجة إيجابية، ومنذ ذلك الوقت استمر ترامب شخصياً بدعم محمد بن سلمان حتى بعد الفضيحة الدولية المتعلقة بمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ويمكن هنا أن نتساءل:»ما هي المشكلة ولماذا يواصل علاقته الودية أيضاً مع ولي العهد السعودي ولو على حساب سمعته الشخصية؟ وفي الواقع، فإن الإجابة على هذا اللغز في منتهى البساطة، وهي أن دونالد ترامب يقرّ بكل تهذيب أن»السعودية صديق كبير للولايات المتحدة ومشترٍ مهم «للمعدات العسكرية الأميركية ومواد أخرى، ثم أن مبادىء ترامب الأخلاقية تقوم أساساً على فرضية المصانع الأميركية رابحة أم لا، رغم أن معظمها ينتج مواد تؤدي إلى الدمار والموت الذي لا سابق له.
إن بوصلة أخلاقية كهذه تعكس تحولاً بنسبة 180 درجة عن تلك القيم الأخلاقية التي جاءت في الكتب السماوية كالقرآن والأنجيل أو أي نص ديني آخر أو تعاليم فلسفية، إنه الأساس الأخلاقي للرأسمالية، نظام اقتصادي يظلّ قوة مسيطرة على العالم وتقوده الولايات المتحدة.
Le reseau international

 

ترجمة: دائرة الدراسات
التاريخ: الثلاثاء 15-10-2019
الرقم: 17098