الانسحاب الأميركي من سورية..حقائق ووقائع


هدد أردوغان باجتياح الشمال السوري والقضاء على الأكراد السوريين المنضوين تحت رايات الجيش الأميركي، وخلال السنة الماضية، حاولت الولايات المتحدة تارة تهدئة أردوغان وتارة مداهنته ومداراته وطوراً بتهديده لكي لا يقدم على اجتياح شمال وشرق سورية، حيث توجد جيوب لبقايا (داعش)، وآلاف من مقاتليها المحتجزين في معسكرات تحت رقابة الأكراد عدوهم اللدود.
فقدَ أردوغان (رباطة جأشه) وكشف عن نواياه، مهدداً بأخذ الأمور على عاتقه بشن هجوم أحادي الجانب في (شرق الفرات)، معزياً السبب إلى أن الولايات المتحدة لم تستجب لمطالباته بتطهير (الممر الإرهابي) الممتد على طول الحدود التركية مع سورية، ولم تلتزم بجانبها من الاتفاق الرامي إلى إقامة (منطقة آمنة) في الشمال السوري.
ونستعيد ما قاله أردوغان:(انتهينا من تحضيراتنا وخطتنا، وأصدرتُ الأوامر اللازمة لذلك ..آن الأوان لفتح الطريق أمام جهود السلام، وعمليتنا ستكون في سبيل ذلك، وسنخوض عملية برية وجوية) وعلى الفور تحدث ترامب إلى أردوغان، وكان الناطق الرسمي في البيت الأبيض قد نشر بياناً أعلن فيه تصميم تركيا على البدء بـ (عمليتها المؤجلة منذ زمن طويل في الشمال السوري).
ويشير البيان الأميركي بوضوح إلى أن الولايات المتحدة (لن تدعم ولن تشارك في العملية التركية) وسيغادر الجنود الأميركيون منطقة الاجتياح فوراً)، وأضاف أنه (ستقع على عاتق تركيا من الآن فصاعداً مسؤولية مقاتلي(داعش) الذين أسِروا في المنطقة خلال العامين الماضيين، على إثر إلحاق الولايات المتحدة (الهزيمة) بـ(الخلافة الإقليمية)، وما لم يكن واضحاً هو الإجراء الذي اتفق عليه بين ترامب وأردوغان، أما البيان التركي أكد على أن أردوغان سيزور ترامب في شهر تشرين الثاني القادم.
وأياً يكن فإن ترامب لم يكن يريد بقاء الجنود الأميركيين في مرمى النيران بين الأتراك والأكراد، وكتب ترامب في تغريدة له على (تويتر): كان من المفروض على الولايات المتحدة أن تبقى مدة 30 يوماً، وكان هذا مقرراً منذ عدة سنوات، ولكننا بقينا وانخرطنا في المعارك، دون أي هدف استراتيجي، وعندما وصلت إلى واشنطن، كانت (الدولة الإسلامية) لا تزال موجودة في المنطقة، وسرعان ما هزمنا هذه (الخلافة)، وألقينا القبض على الآلاف من مقاتليها ولاسيما القادمين من أوروبا، لكن أوروبا رفضت أن يعودوا إليها، وطلبت إلينا أن نحتجزهم في الولايات المتحدة! فقلت:(لا)، لقد أسدينا لكم خدمة جليلة، والآن تريدون منا أن نحتجزهم في السجون الأميركية وبثمن باهظ، عليكم أنتم القيام بهذا الأمر .
وتابع قائلاً: (قاتل الأكراد إلى جانبنا لكنهم حصلوا على مبالغ مالية ومعدات عسكرية ضخمة للقيام بذلك، إنهم حاربوا تركيا لعقود خلت، وقد تأخرت في اتخاذ هذا القرار ثلاث سنوات تقريباً، لكن آن الأوان لنخرج من أتون هذه الحروب المثيرة للسخرية والتي في معظمها حروب قبلية، وعودة جنودنا إلى الوطن، إننا سنقاتل من أجل مصالحنا ولكي نربح فحسب) .
في هذه الأثناء، نقلت محطة (روسيا اليوم) الإخبارية عن مصادر كردية أن الانسحاب العسكري الأميركي من مئات المواقع في شرق سورية كان على قدم وساق، ما أثار حالة من الهلع، لقد كسب ترامب معركة الانسحاب من سورية أخيراً، وهو ما كان يرغب به ويتمناه.
من جانبها عارضت دمشق الدخول التركي إلى أراضيها، بينما أبدت روسيا ارتياحاً لانسحاب الولايات المتحدة ولكن إذا استمرت تركيا في الشمال السوري، فإنها ستفتح على نفسها صندوق (باندورا) (صندوق الشرور الإنسانية)، كما حذرت ايران من هذا الاجتياح وعرضت أن تكون وسيطاً مع الأكراد، وإذا ما قاومت الميليشيات الكردية القوات التركية ستغتنم دمشق الفرصة لإطلاق عملية تستعيد فيها السيطرة على إدلب الواقعة في شمال غرب سورية والتي لا تزال تحت سيطرة القوى المتطرفة (المدعومة من تركيا).
يدرك ترامب أنه سيواجه حملة انتقادات واسعة من أطراف عدة، ولاسيما (اللوبي) الكردي في واشنطن الذي احتج وبشدة على قرار ترامب الأمر الذي من شأنه إلحاق الأذى بمصداقية الولايات المتحدة كحليف موثوق يعتد به في الشرق الأوسط.
ينظر الجناح القوي في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ووكالة المخابرات إلى سورية بمنظور الحرب الباردة، ويعتبر أن الوجود العسكري الأميركي في سورية ضرورة استراتيجية نظراً لوجود القواعد العسكرية الروسية على أراضيها، وتجد وجهة النظر تلك صدى في الأوساط السياسية وأصحاب الرأي ووسائل الإعلام التي تعارض ترامب.
من جانب آخر يمكن للرئيس ترامب أن يراهن على دعم القاعدة الشعبية لقراره، فالرأي العام الأميركي يبدي موافقة على عدم تورط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط طالما أن ذلك لن يمس مباشرة بالمصالح الأميركية.
إن هذه التطورات تعني فيما تعنيه أن الانعطافة الأميركية في الشرق الأوسط تتسارع وقد قالها ترامب بوضوح أنه لا ينوي الدخول في حرب ضد ايران لحماية المملكة السعودية، وقراره اليوم في سورية سيثير جملة من الهواجس في أذهان السعوديين خوفاً من ألا يعتمد مقاربة مماثلة في موضوع اليمن .
الموقف في مجمله، هو أن القوى الإقليمية تتعرض لضغوط من أجل تسوية خلافاتها بوسائله الخاصة، وهذا أمر يلقي استحسان، فثمة إشارات أطلقتها الإمارات المتحدة والسعودية في بحث عن وسيلة للتعايش مع ايران.
خلال زيارة بوتين الحالية للمملكة السعودية والإمارات، سيطرح تصوراته لتكوين أمن جماعي في منطقة الخليج، وفي ملاحظات أبداها مؤخراً، ألمح بوتين إلى أن روسيا والولايات المتحدة ودول أخرى كالهند، يمكن أن تكون بصفة (مراقبين) للإشراف على آلية تنفيذ صيغة الأمن الجماعي بين دول الخليج.
عن: موندياليزاسيون

ترجمة: حسن حسن
التاريخ: الأربعاء 16-10-2019
الرقم: 17099