الموقف العربي من العدوان التركي.. المكتوب يُقرأ من عنوانه..؟!


ربما أكثر ما يثير الاهتمام والريبة والاستغراب حيال الموقف العربي من العدوان التركي البربري على شمال سورية هو الموقف الانفعالي (العروبي) الذي اتخذته الجامعة العربية مؤخراً في مؤتمر وزراء خارجيتها الطارئ، حيث تناوب عدد من المسؤولين العرب على استثمار الحدث ومحاولة تبييض صورة نظامه السوداء من بوابة (الدفاع) المزعوم عن سورية وشعبها في وجه المخاطر التي يفرضها الغزو التركي للشمال السوري، ولولا كلمة وزير خارجية لبنان جبران باسيل التي وضعت النقاط على حروف كثيرة وفضحت الحالة العربية الراهنة بسوداويتها، لكان أكثر ما يليق بهذا الاجتماع الطارئ هو عبارة شرالبلية ما يضحك..!
فالكلمات المتناثرة والمفككة وغير المقنعة التي تليت على منبر الجامعة ــ الغافلة عن الأخطار المحدقة بالأمة منذ بدأ ما يسمى (الربيع العربي) عام 2011ــ كانت أشبه بخطابات رفع العتب من جهة وتصفية الحسابات مع جماعة الأخوان المسلمين الذين تقودهم تركيا حالياً من جهة ثانية، حيث لا أرضية حقيقية لهذه المواقف ولا مبدأ يجمعها، وذلك بسبب تباعد وتناقض المصالح في العديد من الجبهات والملفات الدولية والإقليمية، ولو طلبت واشنطن موقفاً مختلفاً لتغيّر الوضع ولغة الخطاب عند أغلب المتحدثين، إذ لا يمكن البتة وضع هذه المواقف المستجدة في إطار الدفاع عن أمن ووحدة تراب سورية التي كانت حاضرة في كل مناسبات الدفاع عن الأمة وعن قضاياها ــ وخاصة قضية فلسطين ــ ولاتزال، ففي عام 2014 كانت الجماعات الارهابية تهدد وجود سورية ووحدة أراضيها وأمن شعبها ولم نجد من هؤلاء العرب سوى الدعم المتواصل للإرهاب نزولاً عند رغبات ألأميركي والصهيوني.
فعلى مدى ثماني سنوات ونيف من الحرب الارهابية على سورية وقف العرب جماعات وأفراد تارة موقف المتفرج مما يحدث حيال التدخل الأميركي والغربي في سورية، وتارة موقف (الأبكم والأطرش والأعمى) حيال العدوان الصهيوني المستمر على سورية، وتارة أخرى موقف الداعم والشريك والمتورط والممول للحرب الارهابية على سورية، وهو الأمر الذي وثقه اعترافات وزير خارجية قطر المخلوع حمد بن جاسم بن جبر آل ثان الذي أكد إنفاق أكثر من 137 مليار دولار دعماً للجماعات الارهابية، وهو دليل واحد من مئات الدلائل التي تحكي قصة تآمرعربي (خليجي) بصورة خاصة لإسقاط سورية وتسليمها للمشروع التكفيري الإرهابي ولو تم تقسيمها إلى عشرات الكانتونات، ولعل الجميع يتذكر أن دول الخليج كانت السباقة لتجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، وكذلك الاضطلاع بأدوار خبيثة في الحرب عليها، وصل بعضها حدّ الدخول في تحالفات دولية غربية لضرب سورية وتدمير بنيتها التحتية وقتل وتشريد شعبها بذريعة محاربة الارهاب الداعشي الذي يدعمونه، وكان التحالف والتعاون مع النظام التركي صاحب الأجندات الإخوانية الخاصة ومشروع استعادة الخلافة العثمانية من المغرب العربي حتى الخليج ومن سورية إلى اليمن أكثر من واضح وجلي، وذلك إلى أن فرّقتهم السياسة الأميركية وأجنداتها المتلونة والخبيثة، فتحولوا في بعض مراحل الصراع في المنطقة إلى أعداء وخصوم، كما حدث إبان الأزمة الخليجية عام 2017 بين السعودية والإمارات ومصر من جهة ومشيخة قطر المدعومة من النظام التركي من جهة ثانية، حيث ما زال هذا العداء مستحكماً حتى اليوم، وليست الحرب الإعلامية المستعرة حتى اليوم بين هذين المحورين سوى تجسيد للخصومة والافتراق بينهما، وقد رأينا بعض تجليات هذه الأزمة والخصومة التي نجمت عنها بشكل واضح في اليمن وليبيا والسودان ومصر وكذلك في سورية وأماكن أخرى.
لم يُعر عرب الجامعة أي اهتمام للتدخل الصهيوني في الحرب على سورية وكانوا أشبه بشهود زور على كل الاعتداءات الصهيونية على سورية، بحيث لم يكلفوا أنفسهم عناء إصدار بيان تعاطف أو إدانة للمعتدي الصهيوني، بل على العكس كانت مواقفهم تنسجم مع المشروع الصهيوني من زاوية العداء لإيران وتأييد صفقة القرن بخصوص تصفية القضية الفلسطينية وشطب حقوق الشعب الفلسطيني، ولعل أكثر ما يثير الانتباه هو انسجام الموقف العربي مع الموقف الصهيوني حيال الخطر الذي يتهدد الأكراد الانفصاليين في شمال سورية من قبل تركيا، إذاً ليس حباً بسورية ودفاعاً عن شعبها كانت الهمروجة العربية الأخيرة في الجامعة العربية، بل بغضاً بالنظام التركي الذي يقيم علاقات مع الإخوان المسلمين في كل المنطقة، وبغضاً بإيران التي وقفت إلى جانب سورية في هذه الحرب وساعدتها على إفشال المشروع الأميركي والصهيوني في المنطقة.
فحتى منبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن كان شاهداً على العداء العربي لسورية ووقوف بعض العرب إلى جانب الارهاب الذي هدد وحدتها وموقعها وسلامة شعبها وأراضيها خلال السنوات الماضية، ولعل الجميع يتذكر كيف وقف بعض المندوبين العرب وخاصة الخليجيين مواقف معادية لسورية، وتبنوا مشاريع قرارات غربية تسيء لسورية ولشعبها وقيادتها، وتمالئ الارهاب وتدافع عنه وتتبناه بشكل لا لبس فيه.
ومع ذلك ورغم كل النكران والجحود الذي لاقته سورية من أعراب أميركا والجامعة ظلّت سورية حريصة على وحدة العرب وتضامنهم، وقد حذرتهم كمجموع ودول وحكومات من بؤس وعقم الخيارات والرهانات التي يتبنونها، وقدمت لهم الدليل تلو الدليل على حقيقة متاجرة أميركا بالقضايا العربية وبحقوقهم، وكذلك خداع اردوغان ونفاقه، ورغم ذلك مازالوا منقسمين حيال سورية، فمنهم من يؤيد اردوغان وغزوه، ومنهم من يؤيد أميركا ومنهم من يدعم الارهاب ومنهم من يتحالف سراً وعلناً مع الصهاينة ويطبّع معهم على حساب الحقوق الفلسطينية والسورية والعربية عموماً، ولذلك من الصعب أن نصدق أنهم تغيروا بهذه السرعة للدرجة التي يقفون فيها مع سورية ويتبنون قرارات مصيرية بخصوص الدفاع عنها ومواجهة ما يتهددها من عدوان تركي أو صهيوني، فالمكتوب يُقرأ من عنوانه..؟!

عبد الحليم سعود
التاريخ: الأربعاء 16-10-2019
الرقم: 17099