العـــدوان التركي علـى ســــورية ومـــواقف أوروبا المخادعــــــة


برزت المواقف الأوروبية الرافضة للعدوان التركي على سورية كحالة استثنائية (شاذة) في سياق المواقف الدولية الأخرى المنددة بالعدوان، لما أثارته من ردود فعل مستغربة راكمت من التساؤلات وإشارات الاستفهام الكثيرة التي لطالما كانت تطبع السياسة الأوروبية حيال العلاقة مع النظام التركي الذي بات يشكل لدول الاستعمار الأوروبي ومعها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الذراع الطويلة في المنطقة من أجل العبث بوحدة وسيادة ومقدرات الشعوب، خاصة بعد وصول أردوغان الى السلطة.
في حقيقة الأمر، ورغم السقف العالي الذي طرحته الدول الأوروبية تنديداً بالعدوان التركي على سورية - عقوبات على مسؤولين أتراك وحظر على بيع الأسلحة لأنقرة - إلا أن (استراتيجية الخداع ) كانت واضحة وبشكل مقزز على الوجه الأوروبي، لاسيما الفرنسي، رغم المحاولات الكثيرة لإخفائها عبر رفع سقف الرفض والتنديد بالعدوان، وهذا يعزى بالدرجة الأولى إلى الدور الأوروبي الكبير في الحرب على سورية وتهيئة كل أسباب ومقومات ودعائم هذه الحرب التي كان أردوغان رأس حربتها.
فالدول الأوروبية وبالاشتراك مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هي التي دعمت أردوغان وهي التي جعلته يتوحش الى درجة (التنمر) والتذمر ليس من خصومه وأعدائه، بل من كل حلفائه وشركائه في الإرهاب والخراب، ولو أرادت الدول الأوروبية ترويضه وخلع أنيابه لاستطاعت ذلك، لكنها تركته وفتحت له أبواب الحظيرة على مصراعيه ليعيث فساداً ودماراُ في جغرافيا المنطقة، لأن ذلك يشكل لها من المنظور الاستراتيجي مصلحة إستراتيجية كبرى، لجهة إحياء الأحلام والأوهام الاستعمارية التي لا تزال تعشش في العقل الاستعماري الأوروبي.
الموقف الأوروبي الرافض للعدوان التركي على الأراضي السورية، وبالرغم من سقفه العالي المثير جداً للاستغراب بسبب الأدوار الأساسية والرئيسة التي قامت ولا تزال تقوم بها دول أوروبا تجاه دعم الإرهاب والإرهابيين وعلى رأسهم النظام التركي الاخواني، فإنه يشرع الأبواب على (إستراتيجية الخداع) التي لا تزال تنتهجها الدول الأوروبية التي تنتظر من العالم عموما والشعب السوري على وجه الخصوص تصديقها لها.
هذه المواقف والتصريحات الأوروبية لا تعدو كونها حبراً على ورق، لجهة بعدها كل البعد عن التطبيق الفعلي على الأرض ولعدة أسباب، تجتمع وتلتقي جميعها عند تعقيدات العلاقة العضوية والوظيفية بين منظومة الإرهاب بشكل عام، والتي تفرض على أطرافها عدم التغريد خارج السرب تلك المنظومة خشية افتضاح الأدوار والوظائف التي كانت تقوم بها تلك الأطراف، لاسيما تلك الأدوار والوظائف الخفية التي لا تزال أسيرة أدراج المخابرات الغربية كجزء من أوراق القوة والضغط والإدانة المتبادلة بين أطراف الإرهاب.
الاتحاد الأوروبي كان يعلم جيداً أن النظام التركي بالاشتراك والاتفاق مع الأميركي سوف يقدم على العدوان على الأراضي السورية، وهو بالتالي من أعطى الضوء الأصفر وليس الأخضر لأردوغان للقيام بهذا العدوان على اعتبار أن الضوء الأخضر لا يمكن لأحد أن يعطيه للأخير إلا الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإن (الأوروبي) هو شريك بهذا العدوان بشكل مباشر، وكل ما يقوم به من تنديد وصراخ لا يتعدى سياق التغطية المباشرة على جرائمه ودوره في قتل الشعب السوري، فالدعم الأوروبي الذي يقدر بملايين الدولارات لا يزال يتدفق الى أنقرة، وعضوية تركيا في حلف الناتو لا تزال أيضاً قيد الدراسة على الطاولة الأوروبية، وكل ذلك يندرج ضمن (سياسة الاسترضاء) التي يتبعها الأوروبي حيال التركي خوفا كما أسلفنا من افتضاح الأدوار وخوفا من ارتداد السحر على الساحر، في ظل الهواجس الأوروبية من خطر (تسونامي) اللاجئين التي يهدد به أردوغان القارة الأوروبية برمتها، وهذا الأمر تحديداً يؤكد أن لدول الاتحاد الأوروبي يداً طولى في دعم العدوان التركي، لاسيما أن العدوان حمل عنوان إنشاء (منطقة آمنة) وتعهد النظام التركي بنقل نحو ثلاثة ملايين لاجئ إليها، وهذا من شأنه أن يبدد الهواجس الأوروبية حيال اللاجئين، خاصة أن الاتفاقية الموقعة بين تركيا وأوروبا في العام 2016 بخصوص اللاجئين تجبر الأخيرة على دفع أكثر من 6 مليارات يورو كل عام لأنقرة لمنع تدفق اللاجئين الذين باتوا في يد النظام التركي كورقة ابتزاز يهدد بها شركاءه الأوروبيين في الإرهاب.
ضمن هذا السياق، يغدو العدوان التركي على سورية لفرض واقع احتلالي على الأرض تحت مسميات إنسانية (توطين اللاجئين السوريين بمناطق آمنة)، ضرورة وحاجة أوروبية أكثر مما هو ضرورة تركية لتحقيق أطماع وطموحات عثمانية استعمارية، على اعتبار أن هذا العدوان سيأتي على أوراق الابتزاز التي في يد أردوغان تجاه دول أوروبية، لاسيما ورقة اللاجئين، وهذا الأمر بدوره يؤكد ضلوع ودعم الاتحاد الأوروبي لذلك العدوان، حتى لو كان هذا الدعم إذا افترضنا ذلك كان تحت عنوان التأييد غير المباشر، أي من خلال اتباع سياسة الصمت خلال مرحلة ما قبل العدوان التي كان فيها أردوغان يتهدد ويتوعد بشن عدوان على الشمال السوري لتطبيق اتفاقه مع الأميركي لإنشاء (منطقة آمنة) مزعومة.
واتباع سياسة الصمت هنا من قبل الأوروبي كانت تهدف الى تحقيق أمرين معاً، الأول توريط أردوغان وإغراقه في حماقاته وأوهامه أكثر فأكثر وربما توريطه أكثر بالخلافات والاختلافات مع الأميركي، أما الهدف الثاني فيكمن في إزالة خطر اللاجئين الذي يهدد به أردوغان دول أوروبا، بحيث ان نجاح تركيا بتحقيق أهداف العدوان سيقضي على كابوس اللاجئين نهائياً، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعيد الحيوية والفاعلية والتأثير الى الدور الأوروبي على المسرح الدولي.

فؤاد الوادي
التاريخ: الخميس 17-10-2019
الرقم: 17100