على مسرح الحروب.. ترامب يعتزل القتل إعلامياً ويغذيه بالميزانيات


على طريقة البلاغات - بدءاً من الجمهوريين إلى الحزب الديمقراطي، مروراً بـ»نيويورك تايمز «ومجلة «جاكوبان» الملقبة يسارية وانتهاء بقرار سحب القوات الأميركية من سورية نشر الرئيس ترامب كلاماً على «تويتر» دافع من خلاله عن سياسته:»أنفقت الولايات المتحدة ثمانية مليارات دولار على حروبها وأمنها في الشرق الأوسط، وسقط الآلاف من خيرة جنودنا قتلى أو أصيبوا بجروح بليغة، وسقط الملايين قتلى في المعسكر الآخر، وتدخلنا في الشرق الأوسط كان أسوأ قرار اتخذ في تاريخ بلادي على الإطلاق، لقد ذهبنا إلى الحرب بناء على «افتراض كاذب» والذي يجري التنصل منه، إنه:»أسلحة الدمار الشامل».
في الشهر الماضي وعلى أساس بحث موضوع إقالة الرئيس والتي شددت فيه الإدارة الديمقراطية في الكونغرس على قضايا «الأمن القومي» التي أثارتها مكالمة ترامب الهاتفية مع الرئيس الأوكراني فلودومير زيلنسكي في الخامس والعشرين من شهر تموز الماضي، ومع ذلك فضلت وسائل الإعلام الكبرى تجاهل كلام ترامب على «تويتر» المتعلق بالتدخل العسكري الأميركي الطويل الأمد في الشرق الأوسط.
ومن ناحية الصراع المرير والقاتل داخل الدولة الرأسمالية الأميركية فإن هذا الكلام يعبر عن حالة انقسام واضح الخاص بـ «استراتيجية» الولايات المتحدة العالمية، ففي وقت يريد المحيطون بالرئيس التركيز تركيزاً تاماً على التحضير لمواجهة مع الصين ترى طبقات من المؤسسة السياسية والأجهزة العسكرية والمخابراتية أنه من الضرورة بمكان استمرار التدخل الأميركي الرامي إلى تأكيد هيمنتها على الشرق الأوسط ومواجهة روسيا لضمان سيطرة الامبريالية الأميركية على كامل القارة الأوراسية.
لكن وبعيداً عن هذه الخلافات حول السياسة الجيو-استراتيجية فإن الإقرار من جانب الرئيس الأميركي قد يشعل حرباً عن مقدمة»زائفة» و»يمكن تفنيدها» والتي انتهت بقتل «ملايين»من البشر، ما يوقعه بورطات سياسية مباشرة مهما كانت نوايا ترامب.
فهذا يعادل اعترافاً رسمياً من قبل الحكومة الأميركية والإدارات الأميركية المتعاقبة بمسؤولية جرائم الحرب التي أدت إلى مجازر جماعية.
ترامب اعترف أن واشنطن قامت باجتياح العراق عام 2003 بناء على «افتراض كاذب» وهو «أسلحة الدمار الشامل»، بمعنى آخر أن حكومة جورج دبليو بوش كذب على الشعب الأميركي والعالم كله لتبرير حربه العدوانية.
في القانون الدولي هذه الحرب كانت عملاً إجرامياً وانتهاكاً فاضحاً لسيادة العراق وعندما عقدت محكمة نورمبيرغ غداة الحرب العالمية الثانية أعلنت أن التخطيط وإطلاق حرب عدوانية شكلتا جريمة النازيين القصوى والتي نجم عنها كل الفظائع المرتكبة وانطلاقاً من هذا المبدأ القانوني فإن بوش ونائبه تشيني وكبار المسؤولين الآخرين وكذلك أسلافه في حكومتي أوباما وترامب واصلوا التدخل في الشرق الأوسط حتى طالت سورية وليبيا والتهديد بشن حرب جديدة ضد ايران ما يعرضهم للملاحقة باعتبارها جريمة حرب.
السبب الحقيقي للحرب كانت ذهنية النهب منذ زمن طويل ,والتي من خلال غزو العراق عسكرياً تستطيع السيطرة على مصادر الطاقة الهائلة في الشرق الأوسط ,ما يمكنها من بسط نفوذها على وصول النفط إلى أكبر منافسيها في أوروبا وآسيا ,وتعويض ما خسرته الهيمنة العالمية للامبريالية الأميركية.
وقد وصف موقع «وورد سوسياليست» نتائج الغزو الأميركي للعراق بـ «الإبادة الاجتماعية»,فالتدمير المتعمد لواحد من المجتمعات الأكثر تقدماً في مجال التربية والرعاية الصحية والبنى التحتية في الشرق الأوسط ,ورأى الموقع أن»الدمار الذي لحق بالعراق تتحمل مسؤوليته الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة ويجب أن يقدموا للعدالة».
فالخسائر التي تعرض لها العراق كانت مذهلة .وحسب دراسة مستفيضة أجرتها كلية الصحة العامة في جون هوبكينز ونشرتها في صحيفة «ذا لانسيت» الطبية المشهورة أن عدد القتلى التي خلفها الغزو وصلت إلى أكثر من 655000 خلال 40 شهراً من الحرب فالمجازر الناجمة عن الاحتلال والحرب الدموية الطائفية التي تسببت بها الخطة الأميركية المدبرة لتقسيم العراق لتتمكن واشنطن من إحكام قبضتها أوقعت كثير من الضحايا ,بينما تكفل دمار البنى التحتية الأساسية من ماء وكهرباء ورعاية صحية وإصلاح بالقسم الآخر من هؤلاء.
وتواصلت المجزرة في عام 2014 في عهد أوباما مع انطلاق ما يسمى الحرب الأميركية على الدولة الإسلامية «داعش» وهذه الحرب كانت مسرحاً لأكبر حملة قصف منذ حرب فيتنام وقد ألحقت الدمار بمدن كالموصل والرمادي والفلوجة ومدن عراقية أخرى وسقط فيها عشرات بل مئات الآلاف من الضحايا .وطبقاً لتقديرات حديثة ,فإن عدد الضحايا في غضون 16 عاماً من التدخل العسكري الأميركي في العراق يمكن أن يبلغ 2,4 مليون شخص.
أما تكلفة الحروب الأميركية التي أشعلتها منذ عام 2001 بلغت 6000 مليار دولار ,أغلبها ذهب في غزو العراق ,بينما وصلت فوائد الديون المقترضة لتمويل هذه الحروب إلى 8000 مليار دولار ,وما زاد الأمر سوءاً التأثير السياسي والاجتماعي لحرب غير مشروعة التي أدت إلى الخراب في الحقوق الديمقراطية وانتشار الفساد .كما أن صمت وسائل الإعلام على اعتراف ترامب بجرائم الحرب التي اقترفتها الامبريالية الأميركية في العراق وسورية وأماكن أخرى في الشرق الأوسط يعكس حجم تواطؤ وسائل الإعلام الكبرى على هذه الجرائم مع تسويقها للأكاذيب لتشجيع العدوان على العراق ومحاولتها خنق المشاعر المناهضة للحرب.
خطاب ترامب القومي والشعبوي عن نهاية حروب الولايات في الشرق الأوسط يهدف إلى إظهار نفسه أمام الشعب الأميركي بمظهر المعادي لتلك الحروب وفي حين أن حكومته المدعومة من الديمقراطيين ,أقرت ميزانية عسكرية قياسية بلغت 738 مليار دولار تحضيراً لخوض حروب أكثر كارثية ولاسيما ضد الصين وروسيا وقوى نووية أخرى.
عن موندياليزاسيون

 

ترجمة:حسن حسن
التاريخ: الجمعة 18-10-2019
الرقم: 17101