سوريـــــة... وانتصـــــار العروبـــــة

على حافة انتهاء العقد من الزمان تصبح المسألة السورية مسألة عروبة أريد لها من العامل الخارجي أن تنهزم، وأن يدخل بعدها العرب في عصر التيه حيث لا يتمكن أحد أن يُرشد أحداً، فالكل في صحراء لن يجد بها سائر رسماً، وما سيبدو الآن أمام المجتمع الدولي من أولى الحقائق التي ليس بمقدور المتابع التنكر لها هي أن المحيط الإقليمي الذي كلف بتدمير الدولة الوطنية السورية قد خرج من الميدان خاسراً مهزوماً، وأن العامل الدولي بكافة منصاته، ومستوياته ها هو على درب الانسحاب من الأرض السورية دون أن يحقق هدفاً واحداً مما دخل من أجله دخولاً غير شرعي.
وها هي المعارضات تندحر باندحار مرجعياتها، ولم يعد لها مساحة من الزمان والمكان تلعب بها بالكونترول الغربي. وهاهي السياسات لجميع الذين تحالفوا على سورية تتغاير، وتتفارق بتغاير الوقائع على الأرض وبتحطيم الإرهاب، والإرهابيين، وها هي العلاقات الدولية تتخلص شيئاً فشيئاً من سطوة الهيمنة على القرار الدولي لينتقل العالم من نظام التدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية للأمم الأخرى إلى نظام يفرض قواعد جديدة للعمل في العلاقات الدولية، وحقوق الإنسان والأوطان. وفي الوقت الذي وجدت فيه أميركا زعيمة حلف العدوان على سورية نفسها في إطار تضيّق الدائرة العالمية لنفوذها العسكري والسياسي والاقتصادي وصار مشهوداً لها في المجتمع الدولي بالتخلي عن الحلفاء لحظة افتراق المصالح صار من اللازم أن يكون لها في مثل هذا الحال مذهب آخر.
وعليه ورغم معارضته من قبل الكونغرس يتخذ ترامب قراراً بالانسحاب من سورية، ومن الانخراط مع الأكراد الانفصاليين في عدوان أردوغان عليهم وعلى الشعب السوري، وشرع يُظهر السياسات الأميركية بغير ما كانت تظهر فيه، ولم يكن اعتداء أردوغان على الشمال والشرق السوري إلا بموافقة أميركا حتى تبقى الدوائر الميدانية، والسياسية مسيطراً عليها في سورية؛ ولكن عن طريق أردوغان، وبهذا يترك ترامب لأردوغان شأن رسم الخارطة على طول الحدود السورية - التركية لأن المهم عند ترامب أولوية بقاء الإرهاب على الأرض السورية، وسدّ منافذ الخروج نحو الحل السياسي، وإدامة الوجود الإرهابي -عبر أردوغان- لكي تواصل أميركا من دون جيوش لها وأكلاف التدخل عبر الوكيل ولو كان ضعيفاً، ومع هذه الخيارات الأميركية، والغربية التي لم تخدم سوى كيان العدوان الصهيوني وقد وظفت الطرف الأعرابي فيها وموّلها تغدو اليوم الظروف ملائمة لبروز خيارات أخرى ومعادلات مهمة من المستحيل أن تستسهل أميركا القفز فوقها، أولى هذه الخيارات هي تبلور النصر السوري في وقائع الميدان، وفي مندرجات السياسة الإقليمية والدولية على حدّ سواء حيث لم تعد الأحلام والتوهّم عند الغرب واردة حول تدمير سورية الدولة، وتفكيك جغرافيتها، وديمغرافيتها. والمهم عربياً هو سقوط الارتهان للغرب الذي تسبب بفراغ مقعد سورية من الجامعة ومؤسسة القمة لتنفقد معه الركيزة الأساسية للعمل العربي المشترك كما قال وزير خارجية الأردن مؤخراً.
وما حدث على أثر العدوان التركي على سورية هو حماس عربي ذو شأن في إطار الاجتماع الأخير للجامعة على مستوى وزراء الخارجية، حيث أجمع الحاضرون على إدانة العدوان التركي وتأكيد سيادة سورية على أرضها ووحدة ترابها الوطني، ومَنْ تحفّظ من الحضور وهما اثنان فقط لا بد أنهما واجها من الاستنكار ما يبرهن للجميع أن العمالة والارتهان ليسا من خلق العرب والعروبة ولا سيما على ضوء نتائج عقد من الحرب الإرهابية على الوطنية العروبية في سورية، وعلى الأمة وجوداً، ومصيراً، ومن واقع العدوان التركي الأردوغاني على شمال وشرق سورية، وترّهات أردوغان بالمنطقة الآمنة تُستحصل قناعات غير قابلة لمزيد من البراهين بأن الوطن هو للجميع، ومسؤولية الدفاع عنه هي مسؤولية الجميع، وأن أوهام التابعين للغرب المتصهين لن تصل بهم إلى تفتيت اللحمة الجيوتاريخية للشعب الواحد، وأن التحالف الغربي بالزعامة الأميركية ليس له أي هدف سوى تأمين انتصار المشروع الصهيوني باستباحة أرض فلسطين كاملة وتهويدها، واستباحة الأراضي العربية المحتلة بعد الخامس من حزيران 1967م وتهويدها، والانقضاض بعد ذلك على ما تبقى من أرض الجوار العربي لكيان العدوان.
وكم تبدو سياسات الذين يرتهنون الآن للمرجعية الأمروصهيونية مجرمة بحق العروبة والأمة حين يستجيب العملاء لكي يكون أمن الملاحة في الخليج من الأعراب وكيان العدوان الإسرائيلي، وتصوير إيران بأنها سبب مباشر في انعدام استقرار الأمن والملاحة فيه، وما أصبحنا فيه الآن على إيقاع العدوان التركي على الأرض السورية يقدم الدليل لكل من ارتهن لحلف العدوان على سورية بأن يُعيد النظر وهو يرى أن أردوغان حين يدّعي الخطر الكردي على أمن بلده، فما معنى احتلال رأس العين ونهبها من قبل مرتزقته بعد أن أخلتها المجموعات الكردية المنتمية إلى قسد المنحلة؟! وإزاء حالة العدوان نرى إلى شعبنا العربي داخل سورية كيف تنتصر فيه سوريته وعروبته ليبعث منها شعاعاً ينير ليل العرب الطويل، الذي لم يستفيقوا منه إلا مؤخراً، فسورية تقلب المعادلات اليوم ليصبح أردوغان معتدياً، وليس حمّالاً للحرية كما ادعى العملاء وما زالوا يدّعون.
وليصبح حلف العدوان على سورية في حرجه الكبير أين سيذهب بقطعان الإرهاب من إدلب وبعض مناطق تواجده، وسجونه. كذلك ليصبح الحق السوري صريحاً في القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة وهذا ما يساعد جبهة المقاومة للحرب الإرهابية على سورية في رسم الجغرافيا السياسية بما يتناسب مع الحق السوري في السيادة، ووحدة الأرض وتقرير المصير بالإرادة السورية الوطنية الخالصة وخاصة فيما يتعلق باللجنة الدستورية وبكيفية أن يكون الحوار السوري-السوري فيها هو الديدن الحاسم لها، فالعروبة هي المنتصرة عند الشعب العربي السوري على الإرهاب الدولي وعلى الحرب الكونية التي شُنّت علينا.
وسورية ناصرت العروبة على صعيد الوطن العربي الكبير والأمة، وها هي تنتصر بها، وما الدعوات لعودة سورية إلى جامعة الدول العربية إلا من عمق الإحساس العربي عند الذين ما زالت تحركهم العروبة بأن سورية ركيزة أساسية في العمل العربي المشترك ولا يمكن الاستغناء عنها، وهنالك رغبة لدعوة مؤتمر للقمة العربية من أجل عودة سورية، ووفقاً لمقتضاه يمكن أن نستبصر أن الشعب الذي انتصر على المؤامرة بالمؤازرة الكاملة لدولته وجيشه أحيا العروبة، وأحيا الشعور بالرابطة العربية على صعيد الأمة، والوطن العربي الكبير.

 

د. فايز عز الدين

التاريخ: الثلاثاء 22-10-2019
الرقم: 17104