طبيعـــة العـــدوان الراهـــن.. وخبـــرات شعبنـــا المقـــاوم


ما زال العالم مسكوناً بالحروب والصراعات منذ الأزل ويبدو أن ذلك سوف يستمر إلى الأبد، ونحن في الوطن العربي وفي بلاد الشام تحديداً أكثر البشر تعرضاً للعدوان وأهوال الحروب، وما زلنا نعيش وجودنا من نضال عاثر مصطخب لنضال عاثر مصطخب، وفي عمق هذا المناخ اكتسبنا خبرتين، الأولى تؤكد أن صبرنا على المصائب والأهوال قيمة متجذرة كبرى فما زلنا نرد على التحديات وما زلنا نصحو بعد الكبوات، تغفو وجداناتنا أحياناً ولكنها سرعان ما تستيقظ وهي تحمل معها جيلاً جديداً قوي البينة عميق التأثير فينا وفي غيرنا، وما مرَّ علينا وما مرَّ بنا من أهوال يصلح أن يكون سفر العالم قديمه وحديثه، بل قصة التاريخ وموقع الإنسان فيه منذ القديم وحتى الآن.
أما الخبرة الثانية فهي أننا نتقن فن الاختيار والفرز فلا نخلط بين عدو وصديق ولا نحمل مجموعة إثم الأمة التي أوجدت هذه المجموعة، ونعلم بأن الإنسان هو قدرنا وهو مكمن قدرتنا وهذا ما أعطانا هذا المدَّ الحضاري الذي تأنس به كل البشرية وهذا أيضاً ما استنهض علينا هذه الموجات من المستعمرين وقد ركبوا موجة سفك الدم وتدمير البنى ونسف مظاهر الحضارة.
ولعلنا نذكر أن سورية استقبلت الفتح الإسلامي وجماهيرها تدين بالمسيحية، وكما كانت سورية مشعة وقائده بقيت كذلك حينما اعتنق أبناؤها الإسلام وبدا الأمر كما لو أن التكامل والتضامن الحضاري الطبيعي هو الذي ينتظم وجود هذا الوطن من المسيحية إلى الإسلام، وكان الإنسان في ذلك هو الوسيلة والهدف وهو المبتدأ والخبر وهو القيمة والقمة وقدمنا بذلك نموذجاً حضارياً لا يحدث إلاَّ في بلاد الشام ولا يتكرر إلاَّ في بلاد الشام، وفهم عنَّا الحاقدون والمخربون هذه الحقيقية فكانت الحروب علينا بتواترها مع كل مرحلة وبمنهجها في القتل والتدمير وفي أسلحتها كلها تنضبط على ما عند بلاد الشام من خصائص ومناقب، ولم يحدث أي تغيير بين هذين الاتجاهين النقيضين، أعني بين الإيمان والقيم والصبر في بلادنا واستشراء هوس القتل وسادية التدمير عند الآخرين، بالخلاصة جمعت سورية كل الحضارات وأعطتها العلامة الفارقة في هذه الهوية التي تقوم على البناء والاستعلاء على الصغائر والصغار، هذه مجرد صبوة تمليها الوقائع الخطيرة التي حملها الاستعمار والإرهاب إلى وطننا في هذه الأيام ولنحاول أن نثبّت عنوانين في قصة الصراع على سورية، وفيها وقد شارف هذا الصراع المرَّ على أن يستغرق عقداً من الزمن، عقدٌ هو بعمر التاريخ وبعمق تحولاته.
1- العنوان الأول والذي استحال إلى منهج ومنطلق وأداء ونتائج في السياسة والمواجهات العسكرية هو الذي يتمثل بهذه القدرة الكامنة والتي سرعان ما وجدت منافذها إلى الحياة المعاصرة وانبعثت من الكمون واستطالت جذورها فأورقت وأزهرت وأثمرت على صيغة سورية هي الآن محط اهتمام العالم، وهي الآن بيئة البحث والدراسة لخصائص الشعوب الحية وكيفية تعامل هذه الشعوب مع التحديات الكبرى والمخاطر الأكبر، لقد بقيت مناقبنا كما هي في السلم كما هي في الحرب، وفي العداء للشرَّ كما في الارتباط بالخير ويعرف عنا العالم الراهن أن الوطن السوري يقاتل بشرف ويفاوض بشرف ويعرف كيف يبني وجوده ويصون حدوده ولكنه لم يتلوث مع مقدرته بنزعة التطلع والتوسع على الآخرين، وهذا ما أكسبنا خاصية الاستقرار والاستمرار في الجوهر مع اعتناق نزعة أخاذة في مواكبة محاور الحياة وتطور المعالم الحضارية والثقافية والموقفية في هذا العالم.
2- العنوان الثاني كان متصلاً بمستوى عضوي في تفكير وسلوك القوى المعتدية والحاقدة على سورية، وكانت كل حروبهم علينا عقداً وأطماعاً وخيارات لمناهج تذهب مباشرة إلى ضرورة تدمير هذا المصدر الحضاري والإنساني في سورية العربية، إن التدقيق في موجات العدوان علينا تاريخياً تؤكد لنا ولغيرنا أن المسألة عند المعتدين هي تدمير هذا الوطن السوري واجتثاث مقومات وجوده ونسف ذاكرته وإقصاؤه عن أي دفقة نور لمصلحة البشر جميعاً، ولم يجُد العامل الجغرافي مع الآخرين ولا العامل الأيديولوجي كما في قصة جيراننا أتراك أردوغان الآن فقد صار واضحاً أن لهم جذوراً هشة ومفتعلة ولهم إسلامهم وبقي لنا جذرنا الحي وإسلامنا السمح وهنا فإن الصراع مع عدو كهذا لن يتلاشى سريعاً ولن يقرَّ بالحقائق، فالمسألة فيها كل اعتبارات التاريخ وفيها كل عوامل الأمان بين الشعوب والحضارات ومن هنا نفهم طبيعة العدو الأردوغاني التركي الراهن.

د. أحمد الحاج علي
التاريخ: الثلاثاء 22-10-2019
الرقم: 17104