العرب وانتماء المأساة للذات والتاريـخ الهجـين

 


أمة عبث الزمان بها، وعبثت هي بوجودها وبفعل فاعل رحلت من المسار الطبيعي والتاريخي في الوحدة في المشاعر على الأقل في الإحساس بالكرامة في الحدّ الأدنى ، غادرت هذه المفاصل واستبدلت بوحدتها وحدة الانهيار والسقوط ووحدة الآلام في المحصلة، كان المتوقع بالاستمرار وبالانطلاق من قوانين الطبيعة والحياة ان ينخر المرض والعبث في جسم الامة من هذا الجانب او ذاك ثم تأتي مرحلة تنتقل فيها الأمة في جزئها المنكوب او في كلها الثابت ان تصحو بعد الكبوة وتحمل معها عبر منطقة المرض والتجزئة دروسا وخبرات تقيدها الى رشدها ولطالما مرت هذه الامة بمراحل من الكبوة والانحطاط واالاحتراب المفتعل ومغادرة العقل والحضارة الى حيث التكايا والزوايا والغيبيات المخدرة والتي مازالت تسطو على العقل والوجدان وتأخذنا جميعا الى مجاهل الردى بحيث لايكون امامنا كأمة إلا ان نكون ممزقين في ذاتنا وروح العداء تحركنا وتظللنا فعندها لا نجد إلا الأوهام نتعلق بها ونحيلها الى ادعية وجمل مرصوفة لعل النجدة تأتي من الغيب دون ان نفكر او نعمل او ان نتحرك باتجاه محاورنا الأساسية.
لقد صار حبل النجاة مرتدا الى خارج حدود الامة والوطن ، هناك عند الغرب الذي بني على العدوان وصاغ العالم على ذات القاعدة نسلم قيادنا ونستنجد بالاجنبي ، كل حسب هواه وكل على طريقته وكل حسب درجة قبوله في هذا الموقع الغربي او ذاك والمحركات لدينا هي عواطف بائدة يابسة وعداوات عفا عليها الزمان وجهل مطبق وبيع وشراء في الانسان وارتباط بالاجنبي باعتباره الملاذ والمنقذ والقادر على تغليب هذه الفئة على الأخرى باعتبارات ومعايير مصالح الغرب الأوروبي والامريكي لقد صارت الحركة من الداخل الى الخارج وفي أوجه هذه الحركة من الخارج الى الداخل كانت تحمل معها أوامر ونواهي مفصلة وجاهزة للتطبيق وما على المشيخات والزعامات السياسية والاجتماعية سوى ان تسبح بحمدالعابثين بنا وتستطرد في ابداء الالتزام الحار دون تدقيق بما يأتي على اجنحة الظلام من الغرب الاستعماري.
وتناوبت علينا موجات من الظلام عبر هذه المسلكية الفاسدة ومرت عصور من الاستعمار التاريخي وعصور اشد مرارة وظلماً من الاعاجم ونتذكر الآن مافعل الاتراك في الدولة العباسية حيث تحول امير المؤمنين آنذاك الى لعبة بين وصيف وبغا التركيين وهما يقولان ويأمران وما على الحاكم العربي العباسي المسلم امير المؤمنين إلا ان يطيع بدون اعتراض او امتعاض وكانت قوة الأعاجم الاتراك تتشكل من جيش الجواري والغواني والراقصات وموائد العز المسموم وبذلك لم نلغ العقل فحسب بل تقدمنا بفظاظة بل بوقاحة لكي نلغي وجودنا كله سواء ماتشكل من هذا الوجود على الأرض وفي مواكب الزمن والتاريخ او ماجاء الينا كرامة وتكريما من السماء لقد تهدمت المعايير وتكدست الحدود متراكمة يجب بعضها البعض الآخر ومع ذلك كانت الدوافع في التحديد والتحليل بأن كل مايجري على هذه الامة وفي عمق هذه الامة ان هو إلا قدر مقدور ومشيئة الخالق في العباد العرب دون غيرهم ولقد رضي القدر ذات مرة فانبعثنا وغضب القدر منذ قرون عدة علينا فاستكنا واستسلمنا وصار مشايخ الإسلام يقولون هذه إرادة الله حتى ولو كان واقع العرب يؤكد عداءه وتناقضه مع هذه الإرادة الإلهية المنزهة عن التهم العربية وعن خيانات من اختطف الإسلام ليحوله الى حدود مغلقة والى مجرد تغطية للابتعاد عن العلم والوعي والثقافة والذهاب بعد ذلك الى انجاز الحروب المجانية البينية وإذكاء روح الفتنة العمياء .
الى ان تحول هذا الناتج عبر كل هذه العصور الى قواعد محركة ومعايير للقياس وكل من خرج عن هذا الخط هو ملحد وكافر وهو يستحق ان نستدرج الغاصب والغازي لكي يعدل بيننا بطريقة ان العرب جميعا والإسلام الحنيف هذه المرة لا بد ان يتفاعلا ذهابا واياباً في خاصيتين اعتناق المأساة والتوغل فيها والارتباط بالأجنبي الغربي والصهيوني وهذه هي اللوحة الراهنة .

بقلم د: أحمد الحاج علي

التاريخ: الأثنين 28- 10-2019
رقم العدد : 17108