قتــل البغــدادي.. هـــل يفضي إلى حــــل معضـــلات الغــرب؟

 

في خضم التمرد الذي نهجه تنظيم القاعدة في العراق بين عامي 2006-2007، عمد قادة الولايات المتحدة - الذين تلقت قواتهم مزيدا من الإصابات الخطيرة جراء الألغام الموضوعة على أطراف الطرقات - إلى إعداد استراتيجية متطورة سعيا منهم للتوصل إلى معرفة زعماء الخلايا التي تزرع الأجهزة التفجيرية المرتجلة أو قتلهم أو إلقاء القبض عليهم اعتقادا منهم أن ذلك سيفضي إلى وقف أعمال زرع الألغام وتفجيرها التي تلحق الأذى بقواتهم.
وفعلا جرى تعقب العديد من الأهداف والقضاء على منفذيها، لكن تلك الاستراتيجية أثبتت سوء تفهم أولئك القادة للوضع القائم فقد جاءت خطتهم بنتائج عكسية. ففي دراسة أجريت حول ما اسفر عنه قتل 200 قائد خلية أو اعتقالهم في عام 2007 تبين منها أنه في الشهر الذي يلي عملية القضاء على الشخص المستهدف تزداد التفجيرات بالعبوات الناسفة على نحو ملحوظ في المنطقة التي تنفذ بها الخلية أعمالها بنسبة تتراواح بين 20 إلى 40 %.
ولأن لدى تنظيم القاعدة تصورا باحتمال مقتل قادته العسكريين المحليين في أي لحظة فإنهم كانوا على استعداد بشكل دائم لإيجاد البديل الذي يتسلم موقع الزعيم المقتول في وقت لا يتجاوز 24 ساعة من مصرعه، ويتوق أولئك القادة الجدد لإبراز قوتهم العسكرية من خلال ارتكاب المزيد من الهجمات، في حين كان أسلافهم يعانون أعباء المعركة أو من الافتقار للأفكار والخطط في المعركة ضد العدو.
من الضرورة بمكان وضع هذا الواقع في الذاكرة عند استشراف النتائج المحتملة التي ستنجم عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي، في شمال غرب سورية يوم 27 تشرين الأول، ولا سيما أن المحللين والمعلقين يكتنفهم الكثير من الحذر إزاء الحديث عن موته، مكتفين بالقول إن هذا الحدث ضربة قاصمة رمزية لـ»داعش» لكنها ليست بالقاضية وأن التنظيم لن يوقف أعماله في المستقبل القريب.
بيد أنه ثمة رأي آخر بالنسبة إلى عملية مقتل البغدادي، وربما تفضي تلك العملية إلى نتائج سلبية بدلا من الإيجابية لكونه قائدا كارثيا على نحو لا لبس فيه من وجهة نظر أتباعه، إذ نجد أنه لم يتورع عن الإعلان أمام العالم أجمع بحرب لا تبقي ولا تذر ما قاد به إلى هزيمة مؤكدة، وربما أن مقتله أمر كان يرغبه بعض قادة هذا التنظيم بهدف تطويره وتحديثه. وكما كان يقوم صناع العبوات المتفجرة في تنظيم القاعدة من هجمات في العراق قبل نحو اثنتي عشرة سنة، فإن من يتولى قادة «داعش» في المستقبل ربما سيكون أكثر خطورة لكونه سيتفادى الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها البغدادي وسيعمد إلى إعادة إطلاق هذه الحملة في لبوس مختلف ويقودها بطرق عملياتية مختلفة.
لا ريب بأن «داعش» في ظل قيادة البغدادي كان لديه نقاط قوة محددة لكونه قرن التعصب الديني مع الدعم والخبرة العسكرية، فاستطاع تشكيل قوة عسكرية هائلة، وقد أثبت أنه استقطب بعض المقهورين الذين يعانون كرب الحياة وشظف العيش في دول العالم.
وفي ظل سلطة البغدادي اكتشف أولئك الأشخاص انهم يعيشون في كابوس من الاستبداد إذ ان أصغر تجاوز اجتماعي أو ديني يفضي بصاحبه إلى العقاب سواء بالضرب أو القتل، ذلك لأن هذا التنظيم تحكم بالترهيب والخوف، وأستذكر في هذا السياق بأنني في زيارة قمت بها إلى ماكان يسمونه عاصمة «داعش» السابقة في الرقة إبان العام الماضي ألتقيت خلالها بعبد السلام الذي كتب له النجاة بعد ثلاث سنوات من حكم هذا التنظيم وقال لي: «لا يزال الخوف من داعش مترسخ في قلوبنا وعقولنا، إذ أن الأطفال الذين يبلغون خمس سنوات رأوا النساء يُرجمن بالحجارة حتى الموت ورؤوسا مقطعة منصوبة على أعمدة من حديد وسط المدينة»، كما رأيت بنفسي هذه الأعمدة الحديدية التي تحدث عنها وقد انحت جراء ثقل الرؤوس المقطعة. ولا يرغب سكان سورية والعراق إعادة هذه التجربة، فعلاوة على السلوك الوحشي المتبع، فإن «داعش» لم تستطع الدفاع عن أتباعها..
لكن «داعشا» اتخذ مسارا مغايرا عندما تمكن فرع التنظيم في سورية والذي يدعى «جبهة النصرة» من السيطرة بين عامي 2011-2013. إذ سعى البغدادي جاهدا للسيطرة على التنظيم وتقسيم الحركة والتأكيد على أن الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها ستتبع لرؤيته الوحشية التي ينهجها «داعش».
يدعي السياسيون والقادة العسكريون في الكثير من أرجاء العالم بأن القضاء على رأس أي منظمة أو حركة عدائية سيفضي إلى حل المعضلات القائمة برمتها. لكننا نتساءل في هذا السياق هل كان مقتل ملك الكوكائين الكولومبي بابلوا اسكوبار عام 1993 مثارا لإجراء تغيير جذري في واقع تجارة الكوكائين؟
وسينبئنا المستقبل بعد حين بأن تهنئة ترامب لنفسه بما حققه جراء استطاعته قتل البغدادي من الأمور المبالغ بها، ولم تكن البتة في موضعها.

 

ذي انـــدبنــــدنــت
بقلم: باتريك كوكبرن
ترجمة: ليندا سكوتي
التاريخ: الجمعة 1 - 11-2019
رقم العدد : 17112