أميــركا واللصــوصيــة الســـياسية العـــابرة للقـــــارات

 

لطالما أعطت الولايات المتحدة الأميركية لنفسها الحق بتصنيف باقي دول العالم على طريقتها الخاصة، ووفق ما تقتضي مصالحها وأطماعها وأجنداتها التوسعية والتدخلية حول العالم، ولعل أكثر ما يلفت النظر بهذه السياسة هو احتكار واشنطن وحكوماتها المتتالية لقيم الخير والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والعدالة الاجتماعية إلخ.. فيما ترمى باقي الدول والجهات والأحزاب التي تناهض سياساتها الاستعمارية بتهم مختلفة كمحور شر أو قمع أو إرهاب أو دول مارقة وأخرى معادية لحقوق الإنسان، لتبقى هذه السياسة الغوغائية المضللة قيد الالتباس وعدم الفهم عند شريحة لا بأس بها من دول وشعوب العالم، الأمر الذي سهّل على حماة الامبريالية الأميركية المتغطرسة التدخل في العديد من الساحات العالمية وتخريبها كما جرى في عالمنا العربي في العقد الأخير وما قبله، في حين ما يزال العالم ينقسم حيال هذه السياسة بين معارض ومناهض لها وبين مؤيد متورط أو صاحب مصلحة أو واقع تحت تأثيرها.
ولكن هذه الحالة الأميركية الملتبسة بعض الشيء انكشفت تماماً مع مجيء الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، إذ أخذ هذا الرجل على عاتقه مسؤولية كشف المخبوء والمستور من السياسة الأميركية بكل تجلياتها العدوانية والاستعمارية والتخريبية، والإفصاح عنها بالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك مؤكداً أن لا قيم إنسانية أو أخلاقية تحكم هذه السياسة بقدر ما تنطلق من أرضية الطمع والجشع وحب السيطرة والتسلط على الأمم والشعوب بهدف نهب ثرواتها الاقتصادية والباطنية والاستيلاء على كوادرها العلمية.
فخلال ثلاث سنوات من حكم ترامب تعرّف العالم على أميركا كأنموذج لدولة مارقة لا ترعى عهداً ولا ذمة ولا تلتزم باتفاق بحيث لا يراهن عليها أحد إلا وخذلته، كما فعلت بالاتفاق النووي الأممي مع إيران الذي تنصلت من التزاماته مع أول مناسبة، وكذلك بمشيخات الخليج التي تدفع أثمان باهظة لقاء الحماية الأميركية لعروش الأسر الحاكمة فيها، وأخيراً وليس آخراً ما فعلته واشنطن مع المليشيات في الشمال السوري، إذ تركتها لقمة سائغة للنظام التركي ومرتزقته بعد أن تخلت عنها، وقد عبر ترامب بكل صفاقة عن السبب الحقيقي للتدخل الأميركي غير الشرعي في سورية وهو سرقة النفط السوري وحماية المصالح الإسرائيلية التي تشكل أولوية أميركية على ماعداها.
طيلة سنوات حكمه الثلاث مارس ترامب كل أنواع النفاق والديماغوجية لإقناع العالم بأن واشنطن تحارب الارهاب الداعشي في سورية، لدرجة أن بعض السذج في المنطقة صدقوه وانخرطوا معه في لعبة قذرة، سرعان ما وجدوا أنفسهم من ضحاياها، فتنظيم داعش ــ وبحسب اتهامات ترامب نفسه ــ هو صناعة أميركية خالصة تمت صناعته في العراق إبان حكم سلفه باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وقد استخدم ترامب هذه الورقة لإقصاء كلينتون من السباق إلى البيت الأبيض وكان له ما أراد، وإن كان فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية هو موضع شك داخل المجتمع الأميركي والمؤسسات الأميركية نفسها.
حتى أيام قليلة مضت كان ترامب يهدد النظام التركي بالويل والثبور وعظائم الأمور ــ وعبر سلاح العقوبات الاقتصادية ــ إن هو أقدم على جريمة التوغل في شمال سورية على حساب أدواتها التي راهنت بدورها على الوجود الاحتلالي الأميركي للتعبير عن رغباتها الانفصالية عن الدولة السورية وأصمّت آذانها حتى وقت قريب عن نداءات الدولة السورية المطالبة لها بالعودة عن رهاناتها الخاسرة والالتحاق بالوطن الأم من أجل مواجهة الغازي التركي ومرتزقته في صفوف الجيش العربي السوري، في حين شاهد العالم بأم العين كيف انسحب جنود الاحتلال الأميركي من نقاط انتشارهم وقواعدهم في الجزيرة السورية ممهدين الطريق لقوات الاحتلال التركي ومرتزقتها كي تملأ فراغ هذه المنطقة وبعمق ثلاثين كيلو مترا تحت عنوان «المنطقة الآمنة» التي اتخذها نظام أردوغان ذريعة لعدوانه وتحقيق بعض طموحاته التوسعية والعدوانية.
لقد أثبت ترامب للعالم مرة تلو المرة أن محاربة الارهاب هي آخر هموم السياسة الأميركية وأنها مجرد خدعة هدفها سرقة ثروات سورية ونشر الخراب والدمار فيها تلبية لمصالح الكيان الصهيوني الحليف الأوثق للولايات المتحدة، وهي نفس الخدعة التي استخدمها الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش عند غزوه واحتلاله لأفغانستان وتاليا العراق وبقية القصة باتت معروفة، حيث استخدم بوش أحداث 11 أيلول عام 2001 مبرراً للغزو أفغانستان فيما فبرك كولن باول وزير خارجية أميركا آنذاك واستخبارات بلاده ملفاً خاصا بأسلحة التدمير الشامل في العراق من أجل التمهيد للغزو والاحتلال، بعد حصار خانق استمر نحو عشر سنوات وقتل أكثر من مليون عراقي من نساء وأطفال وشيوخ..
في الخليج يواصل ترامب تقاضي أثمان الحماية الأميركية من المشيخات هناك، ويطلب المزيد من المليارات منها كثمن لمعاداة وحصار إيران ووعد الحرب ضدها، في حين أعلن جهارا نهاراً رغبته في الحوار مع إيران، ولكن من أين لأحد أن يثق بترامب وتعهداته ومواثيقه، بعد أن فعل كل ما فعل في تجلّ واضح وافصاح صريح عن السياسة الأميركية الحقيقية في المنطقة والعالم.
عبد الحليم سعود

 

التاريخ: الجمعة 1 - 11-2019
رقم العدد : 17112