في الذكرى 102 لوعد بلفور المشؤوم.. متى تعتذر بريطانيا وتعوض الضحايا؟!


رغم مرور أكثر من قرن على إطلاق وعد بلفور ــ صادفت أمس الذكرى الثانية بعد المئة لهذا الوعد المشؤوم ــ فإن النتائج والتداعيات الكارثية التي ترتبت عليه، وعلى رأسها إنشاء الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي ككيان متوحش يريد قضم كل ما حوله، لا تزال قائمة ومستمرة لجهة تغذية منطقة الشرق الأوسط ببؤر التوتر والإرهاب، وخلق صراعات وأزمات متتالية تجعل الأمن والاستقرار في عموم المنطقة هشاً كي تبقى إسرائيل تؤدي دورها الوظيفي كقاعدة متقدمة للصهيونية العالمية والاستعمار الغربي، ما يعزز القناعة بأن من أعطى هذا الوعد الباطل للحركة الصهيونية في ذلك الوقت كان يخطط لأكثر من مئة عام من الأزمات والحروب والكوارث المتلاحقة في منطقتنا، لتأتي أحداث السنوات الأخيرة في العديد من الدول العربية أو ما يسمى «الربيع العربي» ترجمة لأطماع ونيات استعمارية لطالما أضمرتها دول الغربية وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية التي حلت مكانها في رعاية الكيان الصهيوني وفي التدخل بشؤون المنطقة.
وللتدليل على أهمية وخطورة هذا الوعد المشؤوم رغم بطلانه قانونياً، تكفي الإشارة إلى أن إسرائيل تعتبره من أهم المستندات القانونية التي تستند عليها ما تسمى «وثيقة استقلالها» وقيام كيانها، وتنصّ الوثيقة على أن:»حق اليهود في الانبعاث القومي في بلدهم اعترف به إعلان بلفور»، وللتأكيد أكثر على حجم المؤامرة التي استهدفت فلسطين قبل أكثر من مئة عام يُشار إلى أن وعد بلفور جاء بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات بين الحكومة البريطانية واليهود البريطانيين والمنظمة الصهيونية العالمية قبل أن يخرج بشكل خطاب موجه من آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا يوم 2 تشرين الثاني عام 1917 إلى اللورد اليهودي المعروف والتر روتشيلد، ومن يتابع سياسة الكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة وسلوكه على الأرض من استيطان وتهجير وقمع ومحاولاته المستمرة لتصفية القضية الفلسطينية عبر ما بات يعرف بصفقة القرن، سيجد في هذه السياسة تجسيداً دقيقاً للوعد المذكور الذي نص على إنشاء «وطن قومي لليهود» بكل ما يعنيه ذلك من إفراغ فلسطين من أصحابها الشرعيين، حيث تسعى الحكومات الصهيونية المتعاقبة لاستغلال كافة الظروف والأوضاع التي تمر بها منطقتنا والعالم لإنشاء «الدولة اليهودية» المزعومة وطرد العرب منها، وقد بدا ذلك واضحاً بشكل لا يرقى إليه الشك مع مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة وتكليف صهره الصهيوني جاريد كوشنر المعروف بولائه لإسرائيل بقيادة المساعي لإتمام صفقة القرن.
لكن، وبطبيعة الحال، لم يكن الوعد المشؤوم الصادر بالأساس عن جهة لا تملك إلى جهة لا تستحق يهدف إلى حل مشكلة اليهود وإنشاء وطن قومي يجمعهم، كما جاء في نص الوعد، بقدر ما كان هدفه إقامة قاعدة استعمارية متقدمة للغرب في هذه المنطقة الحيوية من العالم للسيطرة على ثرواتها ومقدراتها ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة أو التضامن بين مشرق الوطن العربي ومغربه، حيث تذكر بعض الوثائق الخاصة بعائلة روتشيلد اليهودية أن الغاية من إنشاء إسرائيل هو إقامة مستعمرات في منطقة الشرق الأوسط من اجل السيطرة على ثرواتها الغنية وخلق مشكلات فيها بين دول المنطقة وشعوبها لضمان البقاء فيها والاستمرار بالسيطرة على مواردها وثرواتها.
فاختيار فلسطين لم يكن محض مصادفة بل كان له أسباب ومبررات تراعي المصالح البريطانية في منطقتنا، وقد ذكرت بعض الوثائق التاريخية أن حاييم وايزمن ــ وهو من أبرز زعماء الحركة الصهيونية ــ حاول إقناع الانكليز بضرورة حماية قناة السويس وذلك عن طريق إرسال مليون يهودي إلى القناة لإقامة مستوطنات حولها، وهذا ما يفسر حرب السويس عام 1956 ضد مصر ــ العدوان الثلاثي ــ بعد تأميم الزعيم جمال عبد الناصر للقناة، ومشاركة كل من فرنسا وبريطانيا إلى جانب الكيان الصهيوني في تلك الحرب العدوانية الفاشلة، كما يفسر تحول إسرائيل إلى ترسانة هائلة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية بما فيها النووية والكيماوية والجرثومية، وهي ترسانة محمية بفعل وقوة الفيتو الأميركي والغربي في مجلس الأمن، وذلك من أجل أن تبقى إسرائيل بعبعاً يخيف دول المنطقة وشعوبها ويمنع أي تسوية عادلة في المنطقة، لأن من يملك هذه الترسانة العسكرية وهذه الحماية الدولية لن ينصاع للقرارات الأممية أو للقانون الدولي.
كل هذه المعطيات تؤكد أن الغرب عموماً ـ وبريطانيا والولايات المتحدة على وجه الخصوص ـ يتحمل مسؤولية مباشرة عن الجرائم والممارسات العدوانية والعنصرية التي ترتكبها إسرائيل في منطقتنا وضد الشعب الفلسطيني، حيث لا يزال هذا الغرب داعما وراعيا وحاميا لهذا الكيان الغاصب، وهو العلة في تغطرسه وتحديه للقوانين الدولية واستهتاره بكل القيم الإنسانية والشرائع السماوية، فمن غير المقبول أن تبقى إسرائيل دون محاسبة أو عقاب وهي التي قامت على أساس الاحتلال والقوة والعدوان والقهر، فتاريخها القصير نسبياً سلسلة من الحروب العدوانية والمجازر الشنيعة بحق الإنسانية.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بعد مرور كل هذه السنوات على هذا الوعد المشؤوم، هل كان آرثر بلفور يدرك حجم الجريمة التي ارتكبها ضد الإنسانية حين منح أرضاً لها أصحاب شرعيون معروفون عبر التاريخ، لعصابات صهيونية غريبة تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، ومارست بدعم بريطاني مفضوح أفظع وأبشع الجرائم ضد شعب فلسطين وقامت بتهجيره والاستيلاء على أرضه بالقوة في مخالفة صريحة لكل القوانين الدولية، غير أن السياسة البريطانية الحالية التي لا تزال تتجاهل الحقوق العربية في فلسطين وتدعم الكيان الصهيوني ولو عبر السكوت على جرائمه المستمرة، وترفض الاعتذار عن جريمة بلفور حتى اليوم، تؤكد أن بريطانيا غير نادمة على ما اقترفته بحق العرب، وقد ساهمت بريطانيا بحصتها في الفوضى التي عاشتها المنطقة في السنوات الأخيرة وكانت إحدى أدوات واشنطن لتدمير المنطقة سواء في العراق أو ليبيا وصولا إلى سورية حيث صب الدور البريطاني الوظيفي في خدمة الكيان الصهيوني مرة جديدة.
ومن المؤسف بعد مرور قرن على وعد بلفور ومظلومية الشعب الفلسطيني هو مجيء دونالد ترامب إلى السلطة في واشنطن وإطلاقه المزيد من الوعود الأميركية الداعمة لقيام الدولة اليهودية المزعومة عبر الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لها، ونقل السفارة الأميركية إليها وهذا يمكن اعتباره حلقة جديدة في وعد بلفور تنفذه إدارة ترامب الصهيونية الهوى، وهذا ما يخلق تحدياً جديدا أمام الشعب الفلسطيني ومن يدعمه إزاء إفشال وعد بلفور ووعود ترامب، ويحتم استمرار الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل نيل حقوقه واستعادة أرضه المسلوبة، ويفرض على الأمتين العربية والإسلامية وقف تداعيات هذه الوعود الظالمة على الحقوق العربية عموما.

عبد الحليم سعود
التاريخ: الأحد 3-11-2019
الرقم: 17113