الرابـــــط الوطنــــــي والتداعيـــــات الحاضــــــرة


سبق لنا في عديد من المقالات أن جئنا على أن مفاتيح الخواتم في الانتصار الكامل على الحرب الإرهابية علينا هي دوماً من بوابة المزيد من تفعيل العلاقات الاجتماعية ذات الطابع الوطني، بما يعني خلق علاقات ترابط بين المكونات الاجتماعية في الوطن الواحد، مؤدية إلى تصليب الجبهة الداخلية من خلال وحدة في وعي المشروع الأمروصهيوني على سورية، خاصة لأنها الجغرافيا الأهم في إستراتيجية الغرب لمجموعة عوامل يعرفها الغرب المتصهين، ويتجاهلها بأوامر غربية أعرابنا التابعون.
نعم حين نضع أمام أعيننا المعادلة الأهم في العمل الوطني اليوم ذلك لأن النصر في الميدان قد لا يفي وحده بآلية انكسار المشروع الغربي الأمروصهيوني في بلدنا، حيث ما زال الوضع الدولي يشهد خلل التوازن في القرار الدولي، ما يترك المجال واسعاً للحلف المعادي لسورية بأن يتحدّى الأمم المتحدة والقانون الدولي، فيتدخل في الشؤون الداخلية للأمم الأخرى بغض النظر عن المواثيق المعمول فيها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945م وسقوط نظام المستعمرات.
وبناء عليه فإننا نواجه قرار الانسحاب الأميركي من سورية، ثم بالآن نفسه نسمع أنه ستبقي أميركا قوات لحماية آبار النفط السورية من أن تحتلها داعش، وكأنّ الدولة الشرعية السورية عاجزة عن توفير هذه الحماية لتتضح الفضيحة لاحقاً بأن أميركا تنهب من هذه الآبار أكثر من 30 مليون دولار في الشهر الواحد.
إذاً الحقيقة الأولى التي من المنتظر منا أن نصدّرها في أجنداتنا هي أن حلف العدوان علينا لن يقبل بانتصارنا الميداني، وسيحاول أن يكون معادِلهُ فينا بتخريب الترابط الوطني الداخلي عبر استثمار ما يمكن أن يستثمر فيه من أوجاع الناس الاقتصادية التي تسبب بها حلف العدوان نفسه، فكانت من جبهات الحرب علينا وما زالت، ومن المعروف في الحروب الوطنية العادلة ستكون الجبهة الداخلية دوماً على عتبة النظر، ويُنظر دوماً لقواعد العمل فيها بما يمكّن لها، ويمكّنها من قيادة العمل الوطني.
أما إذا افترضنا أن آليات عمل المكونات الاجتماعية التي كانت قبل الحرب الإرهابية علينا صالحة لأن تتولّى مهام الحرب ومستدعياتها من دون اختبار عبر مؤتمرات لجميع هذه المكونات والتدقيق بأطقمها وأساليب عملها، ومقدار حضورها في الحيّز الوطني الذي يمثل فضاءها الاجتماعي والسياسي والثقافي، فإننا سنكون والحالة هذه أمام النواتج الممكنة من الستاتيكو الرتيب قليل الفاعلية والمردود الوطني اللازمين.
وإذا أحببنا أن نتعمّق في التحليل فسنقول: إن تركْنا الحال عليه فسنكون أمام قلّة قررنا أن نقدّم لهم زعامات فردية، ومنافع شخصية وألا نطلب منها الإنتاج الوطني الداعم لحركة انتصار الميدان، وهنا يصبح الوطن أمام جبهة تدفع الدم، وآخرين يمتصّون خيرات الوطن فقط لأنهم من قواعد عمل التقريب والتبعيد التي لا تبالي بالقدرة والكفاءة بما يُنقذ الوطن في أحرج الظروف. وواضحٌ في بلدنا اليوم وعبر انخراطنا في الحياة الاجتماعية كمثقفين رسالتنا نصرةُ بلدنا، وشعبنا في معركته ضد التحالف الدولي عليه أن مجتمعنا أصبحت عنده محركات ذاتية منها ما يصبُّ في انتصار الوطن، ومنها ما لا يتقاطع مع مهام الوطن الواجبة، وإذا كنا سنرتاح لمجتمعنا على أنه منظّمٌ هذا واردٌ، ولكن هل شرط الوجود التنظيمي للناس هو آلية مقنعة بأن العمل الوطني المنوط بها متحقق إن لم نختبر ذلك بمعايير الفاعلية؟ نحن الآن أمام انتصارات ميدانية لجيشنا البطل والحلفاء الصادقين، لكننا في الآن نفسه أمام مخططات إقليمية ما زالت لم تترك أدوارها في التآمر علينا لعدم تمكيننا من إنجاز نصر كامل.
وكذلك نحن أمام المتغطرس الأمروصهيوني الذي إن فشل في جبهة يجترح جبهة بديلة، لأن المقرر استنزاف الدولة الشرعية طالما عجزوا عن تدميرها. ومن العوامل المساعدة لنا على الصعيد الدولي المعادي لنا يشهد في داخل بلاده أزمات متعددة، ولو استكبر علينا لكنه مأزوم داخلياً من ترامب، إلى أردوغان، إلى كيان العدوان الصهيوني حتى إن الأوروبيين مأزومون والأعراب معهم، وعليه فالمرجعيات التي كانت توجّه المعارضات السورية لم تعد بالقدرة التي كانت عليها، ومن ثم الداعمون للإرهاب يأخذون اليوم من مقتل أبو بكر البغدادي إن ثبت مبادرة أنهم ليسوا داعمي الإرهاب طالما أنهم قتلوا قادته ورموزه؛ وهذه صور لاختلاط الأسباب والنتائج على أرض بلادنا، ولكي نحصّن أنفسنا من الطبيعي أن نلتفت إلى الجبهة الداخلية في بلدنا، وإلى الروابط الوطنية الجامعة لديها، وإلى حياتها السياسية حتى تكون حركتها معززة لمعركة الوطن ضد الإرهاب من ناحية، وضد أحلام أميركا بخيراتنا، وبثرواتنا، وأحلام أردوغان أيضاً.
ومن هذا المنظور لا بدّ أن تتقوى شبكة عمل الدولة داخل الحياة الاجتماعية, ووفقاً لمقتضاه فالرابط الوطني اليوم لم يعد الوصول إليه بالبساطة التي يتصورها البعض، حيث إن المطلوب أولاً خلق قواعد التحالف الوطني القائم على المزيد من التوافق على مهام المرحلة الحاضرة.

د. فايز عز الدين
التاريخ: الاثنين 4-11-2019
الرقم: 17114