فــــــي رصـــــد تحــــولات المنهـــــج والقـــــوى المعتديـــــة


يبدو أن الصراع المصيري القائم على سورية وفيها قد استغرق كل هذه المسافة من الجذور الناظمة لأحوال الصراع إلى القمة الحاكمة لمآلات هذا الصراع، وما عاد في هذه البيئة حيز أو متسع لاختلاط المواقف أو لانتظار عوامل سحرية هي التي سوف تنقذ الموقف بطريقة تحويل الصراع إلى تفاهم واستبدال العداء بالوفاق وهذا أمر عصي على التنفيذ ونحن نعلم في سورية أنه كان وما زال عصياً على الاحتمال أو المفاجأة غير المنظورة وغير المتوقعة، وهكذا يخولنا الواقع لكي نقول إن هذا العدوان الشامل على سورية هو صراع مصيري حضاري تاريخي والمآلات فيه لا تحتمل أنصاف الحلول أو إنقاذ الوضع بطريقة الانتظار، وها نحن نرى ونسمع ونلمس كل الحقائق والمؤشرات التي تدل على حقيقة أطراف ومواقع العداء لنا في سورية العربية وهناك مؤشرات يستعصي الذهن أحياناً على فهمها، إذ كيف استنفروا كل هذه القوائم من الغزاة الإرهابيين حيث استخرجوهم من الكهوف المظلمة ثم طرحوهم في هذا الوطن السوري وهم يعلمون أن الهمجية ورغبة القتل والتدمير هي التي تحرك سلوك هؤلاء الإرهابيين وهي التي يمكن دفع المكافآت المجزية لمن يمارسها؟ بل كيف استطاعوا أن ينظموا قوافل الموت والتخلف والتكفير عبر زمن طويل ومجهودات سوداء أطول ثم اصطادوا اللحظة لكي يبدأ مشروعهم الهمجي ضد سورية؟ ويستمر موكب التساؤل المرير، إذ كيف جمع الإرهابيون والغزاة كل هذه المواد والبنود من الأسلحة القاتلة والتي تقع ما بين البندقية السامة والدين الإسلامي المختطف من جذوره إلى تطبيقاته، وهكذا حولوا الإسلام شقيقاً لأداة الموت ووظفوه على أنه جوهر وحقيقة وهو رسالة سماوية أمر الله بها وكل من يلتزم بالقتل والتدمير هو مؤمن وكل من يمتنع هو كافر ومرتد، وقد سرت بجشع هذه الحالة من تلازم الدين مع الإرهاب وأنتجت مجموعات وشرائح وقوى منظمة يدعمها بلا توقف أولئك المستعمرون في الغرب سواء أكانوا أوروبيين أم أمريكيين، وهذا الطرف الداعم للإرهاب أعني الغرب يمتلك القوة المادية والرغبة النفسية لنشر الموت والدم والخراب وله خبرة عاتية تراكمت منذ القرون السابقة حيث ظهرت الحالة الاستعمارية العالمية ثم أنتجت الثورة الصناعية الأولى والثانية وحينما تناقضت إرادتها في اقتسام العالم ذهبت إلى إنتاج الحرب العالمية الأولى والثانية واستطاعت في هذا الزمن أن تنجز التكنولوجيا القاتلة والفكر الغشاش ثم التحق بموكب تغذية الإرهاب ودعم الإرهابيين بكل تنظيماتهم ومسمياتهم، هذا النسق من المشيخات في الجزيرة العربية والخليج العربي وهناك الأماكن المقدسة الإسلامية وهي أسيرة منذ زمن طويل وواقعة تحت التأويلات والهرطقات الذاتية لثقافة الحركة الوهابية عسكرياً ودينياً وتحت هذا الادعاء بأنهم المكلفون من الله بقتل كل من يخالفهم.
ليس في المنطقة هناك وإنما في كل أنحاء العالم وفي جوهره العرب والمسلمون وهذا الطرف المشؤوم ذهب مباشرة إلى انجاز مفهوم (الرابطة الإسلامية الغربية) حيث وجدوا في الغرب مصدراً لحمايتهم وقوة لاستمرار كياناتهم حيث هذا الاستغلال الكامل والمزري للنفط والغاز وتحويل كل مردوداته المادية لشراء الحضارة على المفتاح ولتبني قيم الاستهلاك وإلى دفع جزء كبير من هذا الريع للغرب الضامن لهم وللقوى الاجتماعية والسياسية التي تنفذ تحركاتهم وأوامرهم وعند هذا الطرف تجمعت عناصر ادعاء الدين الإسلامي وقوة المال المفاجئ وخبث النظرة والعلاقة مع الآخرين عرباً كانوا أم غير عرب ومن هنا جاء هذا الدور المركزي لهذه الجهات عبر كل مسافة الإرهاب الذي استغرقت كل هذه السنوات وكل هذه الأرواح، وهذا هو الذي امتد بطريقة التكاثر والانتشار وخلق في نهاية الأمر مناخاً سديمياً مشوهاً أساسه اختراع المواقف وإطلاق الدعايات الكاذبة عن الوطن السوري، في ذات السياق الذي تم إغداق المال والسلاح على التنظيمات الإرهابية، وكان من المتوقع من كل هذا الحشد الذي انتظمت فيه دول كبرى مثل أميركا وتركيا وأنظمة حكم هي أدوات في المشروع الاستعماري الصهيوني ومنظمات وتنظيمات سياسية مثل التنظيم العام للإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة وما توالد عنهم مثل جبهة النصرة وداعش وجيش الإسلام وعشرات بل مئات التنظيمات الإرهابية المنتشرة على حدود الوطن السوري والمتسللة إلى داخله، ودخلت لحظة التغيير بكل قوتها ومعالمها الإيجابية التي وصلت إلى حد الإنجاز فالإعجاز وكان ذلك يعني انقلاباً في مسارات الصراع أولاً وفي الأدوار والوظائف التي كلف بها كل طرف في قائمة المعتدين ووصل الأمر بهم إلى ضرورة المناورة والمداورة وإلى التعديلات اللازمة فكان لا بد من استخدام السلاح الاقتصادي عبر العقوبات، والسلاح الإعلامي عبر التزوير والافتعال كما كان هذا الشأن مع الاتهامات الكيماوية ضد القوات المسلحة السورية والآن وجدوا بقية من أسلحة في يديهم فجاء دور المعارضة في صياغة الدستور الوطني وجاء دور الاعتداءات العسكرية المباشرة من تركيا على الوطن السوري.

د. أحمد الحاج علي
التاريخ: الاثنين 4-11-2019
الرقم: 17114