أردوغـــــــان يفتـــــــح صنــــــــدوق «بانــــــدورا» !!!

 

ازدادت التوترات في شرق المتوسط عقب اجتماع الرئيس التركي رجب أردوغان الأسبوع الماضي في أنقرة مع مسؤول ليبي في حكومة الاتحاد الوطني الليبية، وهي حكومة معترف بها دولياً ومقرها في العاصمة طرابلس، اتفق الرجلان على منطقتهما الاقتصادية الخالصة في مياه المتوسط و التي تتداخل مع المياه الإقليمية اليونانية والقبرصية، وذلك في انتهاك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وبشكل يتعارض مع المطالب القبرصية واليونانية لأنقرة باحترام تلك الاتفاقية، السبب الرئيسي وراء كون تركيا وهي واحدة من 15 عضواً فقط في الأمم المتحدة من أصل 193 لم توقع على قانون البحار هو الأطماع التركية في المياه اليونانية والقبرصية الغنية بالنفط والغاز على الرغم من أن تركيا تدعي أنها تتصرف في إطار القانون الدولي، وهي لا تذكر القانون الدولي أبداً بل تتجاهل تماماً، يقودنا هذا إلى السؤال البسيط عن سبب عدم توقيع تركيا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار إذ كان من المفترض أن يؤيد القانون الدولي مطالبها بخصوص المياه الإقليمية القبرصية و اليونانية.
يأتي ذلك استمراً للاستفزازات التركية ضد اليونان، ففي الشهر الماضي أجرت تركيا وباكستان مناورات بحرية خرقت خلالها تركيا مراراً وتكراراً المجال الجوي والبحري اليوناني والقبرصي في عملية أشبه باستعراض عضلات، إضافة لعمليات القرصنة والتخويف تجاه السفن التجارية القبرصية واليونانية وهذا يدل على أن تركيا تعزز تحالفاتها لفرض سيطرتها الكاملة على منطقة شرق البحر المتوسط، وهنا تكمن الفكرة حيث يسعى أردوغان إلى توسيع المجال البحري التركي في انتهاك للقانون الدولي لاستغلال ثروات الغاز والنفط الغنية في المنطقة.
تركيا وعبر تاريخها اعتادت على تحدي القانون الدولي، فقد غزت وبشكل غير شرعي شمال قبرص، وفي سورية لعبت أنقرة ومازالت تلعب دوراً قذراً في تأجيج وتعميق الحرب أمام مرأى وأنظار العالم، لقد فتح هذا التدخل غير الشرعي في سورية الفرصة لتشكل مستنقعاً جديداً لم يكن أردوغان يتوقعه ولايعرف حتى الآن الخروج منه. و مع تدمير ليبيا من قبل حلف شمال الأطلسي في عام 2011، لعبت اليونان وتركيا دوراً صغيراً في تلك العمليات، كانت البلاد تعاني من القبلية والإقطاع والتطرف، في قلب هذه المعطيات خرجت قوتان رئيسيتان من هذه الفوضى، الأولى هي حكومة الاتحاد الوطني المتحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين و هذا ليس مفاجئاً لأن تركيا لها تاريخ طويل في دعم الإخوان المسلمين، والثانية هي الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر ومقره في شرق ليبيا.
فتح أردوغان صندوق باندورا في ليبيا والذي لن يتمكن من إغلاقه بعد ذلك و سيرتد ضده وسيرى تفكك حكومة الاتحاد الوطني التي تدعمها تركيا، و تقول الأسطورة في الميثولوجيا الإغريقية إن الإله زيوس خلق المرأة الأولى و هي أول امرأة يونانية وجدت على الأرض حسب العقيدة اليونانية، و أسماها باندورا، و قد خلقت من الماء و التراب و أعطيت الكثير من المميزات كالجمال و القدرة على الإقناع و عزف الموسيقى، ثم أعطاها صندوقاً مغلقاً يضم كل الشرور وطلب منها ألا تفتحه أبداً حتى لا تتسبب في انتشار الشرور في الأرض، لكن الفضول دفع باندورا إلى فتح الصندوق لمعرفة محتوياته، فخرجت كل الشرور منه، فحاولت إغلاقه من جديد لكن الأوان كان قد فات، ما سبب انتشار الشر في الأرض.
وفد من الدبلوماسيين الأميركيين طلب مؤخراً من حفتر وضع حد للعمليات العسكرية بزعم أنها ستسمح بالغزو العسكري الروسي لليبيا، رفض حفتر الطلب، و قال وزير خارجية حفتر إن الولايات المتحدة مخطئة تماماً، لأن ليبيا أصبحت ساحة كبيرة لتسوية الحسابات بين القوى الإقليمية - وهذا صحيح بالنظر إلى أن السعوديين والإماراتيين والمصريين يدعمون الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، بينما يدعم الأتراك والقطريون حكومة الاتحاد الوطني الليبي.
بدلاً من الالتزام بالقانون الدولي وقّع أردوغان اتفاقية غير قانونية مع حكومة الاتحاد الوطني الليبي لتنفيذ خططه التي تهدف إلى تقطيع شرق المتوسط، و على الرغم من أن اليونان لاعب ثانوي على الساحة الدولية، إلا أنها تمارس نفوذاً كبيراً في شرق البحر المتوسط وسوف تستخدم آليات الناتو والضغط من داخل الاتحاد الأوروبي لإقناع الدول الأعضاء بسحب الاعتراف بهذه الحكومة المدعومة من أنقرة ما سيزيد من عزلة تركيا في سعيها لبناء تحالف ضد الشراكة العسكرية بين اليونان وقبرص.
في حالة نادرة، انتقدت الولايات المتحدة العدوان التركي والتصعيد الذي تمارسه أنقرة في شرق البحر المتوسط، ووصفت وزارة الخارجية الأميركية حركة تركيا بأنها (عديمة الفائدة و الاستفزازية)، و من غير المرجح أن يُحدث هذا تغيراً يُذكر، حيث من المتوقع أن ترفض حكومة الاتحاد الوطني الليبي وبشكل قاطع التخلي عن اتفاقها مع تركيا، ما سيدفع اليونان لدعم فريق حفتر ومعها أعضاء الناتو ودول الاتحاد الأوربي كذلك، أما التحالف الثلاثي السعودي الإماراتي المصري فقد استخدم العدوان التركي في شرق البحر المتوسط كذريعة لدعم الجيش الوطني اللليبي وتزويده بالأموال والأسلحة والمعلومات الاستخباراتية وغيرها من الموارد اللازمة لمواجهة حكومة الاتحاد الوطني المدعومة من قبل تركيا.
ومع وجود سيف الدين القذافي، الابن الثاني لمعمر القذافي، الذي أعلن أيضاً عن دعمه لحفتر، هناك كل الأسباب للاعتقاد بأن حكومة الاتحاد الوطني الليبي ، المعترف بها دولياً، والتي تمثل ذراع تركيا على الأرض الليبية، ستواجه العديد من الضغوط من الناتو و الاتحاد الأوروبي وكذلك التحالف السعودي الإماراتي المصري وأنصار القذافي وحفتر، إنه سعي يائس لأردوغان من أجل الهيمنة الإقليمية، لكن يبدو أنه فتح الآن صندوق باندورا في ليبيا والذي من المرجح أن يأتي بنتائج عكسية عليه الآن.

 

LE TEMPS
بقلم: بول أنتونوبولوس
ترجمة: محمود لحام
التاريخ: الأربعاء 25 - 12-2019
رقم العدد : 17154

 


طباعة