الاتفـــــاق الصينـــــي- الأميركـــي.. وحــــــرب تجاريــــــة أخــــــرى بينهمـــــا

 


تسعى إدارة ترامب لكسب الحرب التجارية العالمية عبر مواصلة برنامجها (أميركا أولاً) وذلك لاستعادة القوة الاقتصادية الأميركية إلى سابق عهدها .
ما لفت انتباه وسائل الإعلام هو مصادقة مجلس الشيوخ (الكونغرس) على الاتفاق الأميركي - المكسيكي- الكندي والذي لم يكن ليتم لولا الدعم الجوهري من الديمقراطيين والنقابات الذي يقع في إطار الجهود الرامية إلى إقالة ترامب، وكذلك الاتفاق التجاري مع الصين في (مرحلته الأولى)، والأكثر أهمية على المدى الطويل هو التأثير الأميركي الذي مكن من إحباط جهود تسوية الخلافات مع منظمة التجارة العالمية .
فبعد سنوات من الاعتراض على قرارات لمنظمة التجارة العالمية باعتبارها سلطة لها قدرة كبيرة على انتهاك القوانين الأميركية الذي بدأ في عهد الرئيس أوباما وتعزز مع وصول ترامب إلى السلطة، ويأتي اليوم الرفض الأميركي دعم تعيين قضاة جدد في محكمة الاستئناف التابعة للمنظمة لتؤدي إلى تعطيل أنشطتها.
ولم يقتصر التأثير الأميركي على عرقلة الاجراءات الرامية إلى تسوية الخلافات التجارية مع المنظمة، بل وجه الضربة القاضية إلى عمل المنظمة التي تأسست عام 1955 لتغيير الاتفاق العام المتعلق بالتعرفة الجمركية والتجارة (غات) التي وضعت بعد الحرب العالمية الثانية لتجنب تكرار حروب تجارية مدمرة كما حدث في الثلاثينيات من القرن المنصرم .
وصرح روبرت لايتزر الممثل التجاري في المنظمة بالقول: (ربما كان هذا هو اليوم الأهم في تاريخ التجارة)، لكن كما كل الحروب والتدخلات العسكرية الأميركية التي قامت بها في الثلاثينيات من القرن الماضي لم تفلح في إعادة الولايات المتحدة إلى وضعها السابق، وأن (انتصاراتها) على الجبهة التجارية يمكن أن تظهر برمتها فارغة وجوفاء أيضاً.
وقبل أن تنشر تفاصيل الاتفاق بين الولايات المتحدة والصين الشهر المقبل، فإن ثمة شكوك كبيرة بالتأكيدات الأميركية التي تتحدث عن نهوض سريع في صادراتها الزراعية وزيادة مهمة في صادراتها إلى الصين عموماً.
لايتزر صرح للصحفيين بأن الصين ستسعى جاهدة لزيادة مشترياتها الإجمالية من المنتجات الزراعية الأميركية ما بين 40 إلى 50 مليار دولار في غضون العامين القادمين، ويأتي هذا في إطار برنامج شامل يهدف إلى زيادة الصادرات الأميركية إلى الصين لتصل إلى حوالي 200 مليار دولار .
ترامب بدوره وصف الاتفاق بـ(المذهل)، لكن هذه التأكيدات تدحضها الوقائع والأرقام. وكما جاء في (وول ستريت جورنال), فإن الصادرات الزراعية الأميركية إلى الصين لا تتعدى 10 مليارات دولار خلال العشر أشهر الأولى من عام 2019 مقابل 17 مليار دولار عام 2017 أي قبل بداية الحرب التجارية، وأضافت الصحيفة أيضاً (لا نعرف حتى كيف يمكن أن تصل هذه الصادرات إلى 40 مليار دولار).
أما رد فعل الصين على الاتفاق الجاري فيتعارض بوضوح مع الدعاية الإعلامية الصاخبة التي صدرت من واشنطن، فقد صرح نينج جيزه نائب رئيس الجنة الصينية للإصلاح والتطوير أن الصين (ستزيد مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية ذات الجودة العالية والمنافسة في السوق) وأن الأرقام الدقيقة ستنشر في تاريخ لاحق.
من جانبه، صرح جوزيف غلوبر الاقتصادي السابق في وزارة الزراعة الأميركية لصحيفة (فايننشال تايمز) أن تفاصيل ما قبلت الصين أن تشتريه تظل (غامضة)، وأن تعهدات بكين بزيادة مشترياتها يمكن أن تلفت انتباه دول أخرى التي سوف تتساءل (ما إذا حصلت المنتجات الأميركية على دخول تفضيلي مضمون) منتهكة بذلك القواعد التجارية الدولية.
إنها مسألة مهمة لأن الصين تسعى إلى أن تظهر بمظهر المدافع عن النظام التجاري الدولي خلافاً للولايات المتحدة وهي تتصرف بحيث تبدو الولايات المتحدة عاجزة عن حشد قوى عظمى أخرى ضدها.
كل التأكيدات تشير إلى أن الصين قدمت تنازلات كبرى في حين قدمت واشنطن النذر اليسير بالمقابل، لكن التهديد بفرض قوانين جمركية على بضائع صينية بقيمة 156 مليار دولار بدءاً من 15 كانون الأول الجاري قد علق، وأن قانون 15 بالمئة على منتجات بقيمة 110 مليار دولار الذي فرض في بداية أيلول، قد خفض إلى 7,5 بالمئة، لكن قوانين 25 بالمئة الجمركية التي فرضت على بضائع صينية بقيمة 250 مليار دولار ظلت على حالها رغم الجهود المضنية التي بذلتها الصين لتخفيضها إلى حد ما.
وقد صرح نائب وزير التجارة الصيني وانغ شوان وهو أحد المفاوضين التجاريين الأساسيين بالقول: إن الولايات المتحدة قبلت بإلغاء القوانين الجمركية المتبقية على (مراحل)، غير أن لايتزر خالفه القول مصرحاً بأنه لا يوجد اتفاق من هذا النوع وأن كل تخفيض إضافي سيجري النظر فيه في المراحل اللاحقة من المفاوضات، والجدير بالقول إن ليس ثمة تفاصيل عن موعد محدد لإجراء المفاوضات التي من شأنها تغطية المطالب الأميركية بخصوص وقف الصين مساعداتها للشركات الحكومية وخطط الصين المتعلقة بإصلاح تطورها الصناعي والتكنولوجي، وهما أمران تعتبرهما الولايات المتحدة بمثابة تهديد لهيمنتها الاقتصادية وفي نهاية المطاف هيمنتها العسكرية أيضاً .
لقد أثار اتفاق (المرحلة الأولى) معارضة الصقور المناهضين للصين والذين يعتبرون أن صعود الصين كقوة صناعية وتكنولوجية من شأنه أن يعيد طرح تفوق الولايات المتحدة على بساط البحث، ويتفق معهم في هذا الرأي شريحة واسعة من أوساط العسكريين والاستخبارات، ولهذا قال السناتور الديمقراطي شارل شومر: (في البداية، بدا الرئيس ترامب أنه أول من تجرّأ على حمل هذا التحدي، لكنه اليوم، وحسب التقارير، باع نفسه للصين مقابل اتفاق مؤقت لشراء فول الصويا.
أما صحيفة (واشنطن بوست) في افتتاحيتها فقد وصفت الاتفاق التجاري بأنه (ليس نصراً) مشيرة إلى أن بكين لم تقدم إيضاحات عن حجم المشتريات الجديدة من المنتجات الزراعية الأميركية، ووصفت الأرقام التي تحدثت عنها الإدارة الأميركية بـ(غير المقبولة)، وأضافت الافتتاحية أن (ترامب يؤكد علاوة على ذلك أنه ينظر إلى الصراع الجوهري الدائم ليس مع الصين فحسب، وإنما مع العالم كله).

 

موندياليزاسيون
ترجمة: حسن حسن
التاريخ: الخميس 26 - 12-2019
رقم العدد : 17155

 


طباعة