الوطنيـــــة السوريــــــة والمشـــــــترك الأساســــــي

عُشْريّةٌ من زمن العدوان الدولي الإرهابي على بلاد الشمس سورية قد مضت والمستغرب ليس العدوان باعتبار أن بلادنا لمّا تزل من قرون ينتقل تاريخها من عدوانٍ استعماري إلى عدوان، ولم تنتهِ الحرب الوطنية العادلة للسوريين طيلة ما مرّ من عصور. لكن المستغرب أن العرب الذين ينتمون إلى أمة واحدة، والمهدّدين من قبل العدو الواحد، والمقرر استعمارياً أن لا يكون لهم مستقبل على أرض واحدة جغرافياً، ولا على ثقافة واحدة تاريخياً، حتى يبقى الجميع على الجزر التي لا تجمع بينها أرض مشتركة، ولا فكرة موحّدة لا يفكرون، وإذا كان ما يميّز الأمم محصور في العقل الذي يحدّدون فيه الأمةَ ذات العقل الجماعي، والأمة ذات العقل الفردي، والأمة المستقيل عقلها على مذهب محمد عابد الجابري فيما كتب عن الأمة العربية فإن الباحثين العرب سيجدون عنتاً علمياً وبحثياً وهم يحددون موقع الأمة وموقفها من عصر إلى عصر حين تكون الأمم الجماعية، والأمم الفردية قد كشفت الطريق الأقصر، والأسلم لمستقبلها، واجترحت ما يُدخل شعبها في آفاق الحاضر الحامل لقيم المستقبل، والمحدّد لموقعه في الجغرافية العالمية بما يعبّر عن قوة الوجود، وحكمة الموجود بينما العرب ما برحوا يقفون على شكٍّ عظيم في ما لديهم من ميراثٍ دافعٍ، أو ما لديهم من قوى مبدعة، أو ثروات مساندة، ليكون وجودهم مرتهناً للغرب المتصهين، وثرواتهم لا تعود بمنافعها عليهم، ويدخلوا بمجموع كبير منهم في وضعية استلاب وطني وإنساني كبيرين.
وما نلاحظه كلما تمّ اجتماعٌ لمؤسسةِ عملٍ عربي مشترك أن القرار المعبّر عن المصالح القومية العليا للأمة العربية من الصعب اتخاذه لكون الإرادة العربية في انتزاع السيادة مفقودة، وإدارة التحكّم في القرار العربي عند البعض ليست بيدهم بل بيد المرجعية الغربية صاحبة الأمر والنهي عندهم، وهذه المفارقة لم تغادر الحياة العربية الدبلوماسية في النظام الرسمي العربي، والمعروف أن الكثير من ضغوط النظم الرسمية العربية على الحالة الشعبية في الشارع العربي تتوجه نحو سلب الشعب إرادة التحريض للضمير القومي الذي حين يمتلك صحوته سينسف مخططات أعداء الأمة، ويزيل العوائق التي تقف أمام اجتماعها على المشتركات الأساسية للعرب والعروبة، ومن هنا ننظر إلى اجتماع الجامعة العربية فلا نرى فيه تداولاً حول ما يواجه الأمة من تحديات وسبل وأشكال التعاضد العربي لمواجهتها.
وكذلك اجتماع القمة العربية محكوم بإرادة الخارج أكثر مما هو محكوم بالقضايا العادلة للعرب، وبناء عليه تتواصل وتائر العدوان الإرهابي على العرب، ودولهم الوطنية ولا يتمكنون من الوصول إلى نظرةٍ واحدةٍ فيها مقاربة وجدانية لما يحصل عليهم، أو فيها ما يكتشف الحقيقة الجامعة، أو الأهداف المجمّعة لهم لتتواصل الهيمنة الغربية، ويتواصل خذلان الأمة عبر سياسات من يديرون دولها الوطنية، وإذا صحّ أن الشيء يُبنى على مقتضاه فهل مقتضى الحال العربي أن نعطي العدو الأمرو أورو صهيوني حقَّ إدارة شؤوننا العربية، ونعتقد أن حلف العدوان علينا هو الضامن لحماية العربي من عربي؟ أما آن لمن يفكّر أو يقود في النظام العربي الراهن وهو يقف على عتبة العُشريّة الجديدة التي يدخلها زمن العرب اليوم أن يقول كلمة: أين ذهبوا بنا عبر الثورات المزعومة، والربيع الخراب، ونظم الإرهاب المتأسلم التي زيّنوها لنا لكي ندخل في الوهابية، والأخوانية اللتين تجعلان من العرب أن يهجروا قيم التجانس الاجتماعي والروحي ويدخلوا في صراع الأديان ثم في صراع الطوائف والمذاهب أو في الصراع الوطني السياسي الذي يوفر ظروف الحرب الأهلية في كل قطر عربي، ويمكّن إسرائيل من السيطرة؟
نعم كل الأسئلة التي فيها تحويل إسرائيل إلى خصم، ومن ثم إلى صديق فحليف مسموحة اليوم عند أعراب الرمال، وكل سؤال عن أن مصير النظم العربية باقٍ في اليد الأمرصهونية مسموح به عند أعراب الرمال كل ذلك حتى يفقد العرب الحليف المخلص لقضاياهم ولكي لا يكون لهم حلفاء مساندون فيقعون من جديد تحت وطأة سايكس-بيكو المتجدّدة وهذه المرّة ستقسّم الدولة القطرية فتوزع إلى كانتونات لا تقوى بمفردها على الحياة بل تحتاج إلى مركز إقليمي كبير لكي يؤمن لها شروط الوجود، ودوامه، ولن يكون سوى إسرائيل كيان العدوان المركز الأكبر كما كتب عنه شمعون بيريز في كتابه: الشرق الأوسط الجديد، ولاحقاً طوّروا المشروع الإمبريالي هذا ليصبح: الشرقُ الأوسط الجديد الشرقَ الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، وما يستدعي دوماً خضّ المياه الراكدة عند العرب هو أن طبائع التفكير في النظام الرسمي العربي لا ترغب بالمراجعة لحصائل الزمن، ولا للتغذية الراجعة من أساليب وأشكال العمل العربي حتى يكون نقد التجربة العربية ملحوظاً على جداول التفكير العربي، والعقل، وإنما الذي يحكم العقل الحاضر في النظام العربي هو أن يُمرّرَ الزمانُ، وندخل فيه من حالة سيئة إلى حالة أسوأ، وطالما نحن بمثل هكذا حال فلا يحلمنّ عربي يتمتّع بصحوة الضمير بأن يتبدّل حال العرب لأن تبدّل الحال يحتاج إلى إرادة التبدّل والتغيّر؛ ومن لا يمتلك هذه الإرادة فمن أين له أن يمسك بزمام التغيير، والتغيّر؟ ولو أن العرب يملكون أدنى قيم الإحساس بالعروبة الواحدة فهل يسمحون لأميركا بأن تتواجد على أراضٍ عربية من الجزيرة العربية إلى العراق، وسورية، والأردن ولا هدف لهذا الوجود سوى دعم الإرهاب وتدمير منظومات القوة العربية التي إذا ما تركت لتتراكم فإن ما تنتجه من قوة سيوقف المشروع الصهيوني عند جغرافية محدّدة، ثم سيفرض عليه الانكفاء، والتراجع ثم الزوال. وبناء عليه تدخل أميركا بلادنا لتخدم عدونا، ولا نجتمع لنتداول في خطورات هذا الوجود، وكذلك تقصف أميركا بلادنا لتخدم عدونا، ولا نجتمع لنتداول في خطورات هذا الوجود.
وكذلك تقصف أميركا الجيش العربي السوري كلما تقدم في معركة ميدانية ضد الإرهاب ولا يستنكر العرب هذا القصف ولا يتخذون أي موقف إزاءه!! واليوم تقصف أميركا مقرات المقاومة الوطنية في العراق والعرب على ديدنهم يتفرجون، وحين يكون الحال العربي ونحن نعبر العُشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين على مثل هكذا حال ألا يدعونا هذا الحال بأن نفكر بتصليب الوطنية السورية، ونعلي قيم المشتركات الأساسية في الوطن الواحد حتى يكون فينا النموذج الذي يقتدى ونقدم للآخرين الذين دخلوا السُّبات المهدّد لوجودهم، ووجود الأمة الشروط اللازمة للخروج من الارتهان، والتابعية إلى فضاء تحدي التحدي، وتجديد أصالة العرب والعروبة بمزيد من الأضاحي كما يحصل اليوم على أرض محافظة إدلب وغرب حلب وشمال حماة، فجيش العروبة يعرف من هم الحلفاء ويتواصل معهم، ولا يتخلّى عن إرادة الشجعان، وكبرياء الأبطال والنصر القريب.

د. فايز عز الدين
التاريخ: الثلاثاء 7-1-2020
الرقم: 17162

 


طباعة