هـــل يكـــون الاتفـــاق النـــووي ضحيـــة اغتيـــال الجنـــرال؟

 

تحليل تيم ليستر
بعد أن لقنت ايران ترامب المتهور والجاهل في ادارة الازمات الدولية والعلاقات الخارجية درسا لا ينساه من خلال الرد العسكري القوي على اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وحتى قبل أن تتم مراسم الدفن كانت ايران ترد عسكريا وبقوة منقطعة النظير وفي نفس الساعة والدقيقة التي تمت فيها عملية الاغتيال الاجرامية من قبل ترامب وادارته، ولكن يبقى السؤال الاكبر المطروح في هذه الازمة هل سيكون الاتفاق النووي الذي يفاوض عليه المجتمع الدولي مع إيران ثاني ضحية للأزمة الناجمة عن مقتل سليماني في بغداد في هجوم أميركي بطائرة بدون طيار؟.
وبينما أعلنت إيران استقلالها عن خطة العمل المشتركة الشاملة، لم تعلن عن أي نية للسباق نحو اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة، وبعد اجتماع لمجلس الوزراء في طهران منذ فترة بسيطة، أعلنت إيران أنها لن تقتصر على القيود الواردة في الاتفاقية، والمعروفة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة أو JCPOA. وهي الاتفاقية التي تم التوقيع عليها وتنفيذها في عام 2016 ، وهي تنص على وضع بعض الشروط على البرنامج النووي الإيراني في مقابل رفع تدريجي للعقوبات الدولية.
وقال الإعلان ستضع إيران حدودها بناء على احتياجاتها الفنية ما يجعل خطة العمل المشتركة الشاملة لا لزوم لها خاصة بعد عدم التزام الغرب بها وانسحاب الولايات المتحدة، وكانت هذه هي الخطوة الخامسة في الخروج التدريجي لإيران من الاتفاقية النووية التي طالما حاولت الحفاظ عليها، وهي المرحلة الأخيرة في الاستراتيجية الايرانية التي انتهجتها في تموز الماضي رداً على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي ومن ثم فرض عقوبات ظالمة عليها، وبناء على ذلك لم تعد إيران ملزمة بأي قيود على الجوانب التشغيلية لبرنامجها النووي بما في ذلك قدرة التخصيب ومدى أو درجة التخصيب والبحث والتطوير النووي.
ورغم ذلك حاولت ايران جاهدة الالتزام بالاتفاقية قدر استطاعتها معولة على أوروبا التي أدارت ظهرها للاتفاق النووي وسارت في الركب الاميركي، وقال وزير الخارجية محمد جواد ظريف: هذه الخطوة داخل JCPOA وجميع الخطوات الخمس يمكن عكسها عند التنفيذ الفعال للالتزامات المتبادلة. وسوف يستمر تعاون إيران الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وإن إيران ستواصل العمل مع الوكالات النووية الدولية وستعود إلى حدود JCPOA بمجرد إزالة جميع العقوبات من البلاد، وأشار المحللون إلى أنه حتى في الوقت الذي تتجه فيه خطة العمل المشتركة نحو الالغاء الكامل لها من ترامب وأوروبا.
أظهرت إيران قدرا كبيرا من ضبط النفس. وقال هانز كريستنسن مدير مشروع المعلومات النووية في اتحاد العلماء الأميركيين: هذا لا يعني بعد أن إيران ستترك الاتفاق النووي أو تصنع أسلحة نووية وقال تابع كريستنسن: على ما يبدو هناك حدود أخرى للاتفاق لا تزال سارية كما هي عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
بدوره قال علي فايز مدير مشروع إيران في المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات: خطوة ايران الخامسة بخفض التزاماتها تجاه الاتفاق النووي أقل قسوة من الشيء الذي تعرضت له من هذه الاتفاقية، ومن انسحاب الولايات المتحدة فهي لغاية اللحظة مازالت ملتزمة بالاتفاقية بالرغم من نفاد صبرها خاصة بعد عملية اغتيال سليماني ورغم توعد طهران بالانتقام العسكري من أميركا ومن ترامب شخصيا.
وللذين كانوا يخشون في البداية من تخصيب ايران اليورانيوم بنسبة 20 بالمئة وهي لم تفعل ذلك، هذا يظهر أن إيران لا تزال تريد الأوروبيين إلى جانبها ولا تريد إنهاء الاتفاقية بعد.
كما قال مايكل سينغ مدير أول في معهد واشنطن ومدير سابق للشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي: إن ايران مازالت من حيث المبدأ ملتزمة بالاتفاقية و ب JCPOA . لكن ماذا اذا اتخذت ايران إجراءات لزيادة المستويات التي تقوم بها لتخصيب اليورانيوم أو زيادة مخزونها، الامر الذي سيؤدي بالفعل الى كارثة بالنسبة لاميركا خاصة بعد اغتيال سليماني. ويشير فابين نارنج Vipin Narang ، أستاذ العلوم السياسية المساعد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى أنه على الرغم من إعلان إيران أنها لن تلتزم بمستويات التخصيب الا أنها مازالت عقلانية لحد كبير وهي تمارس سياسة ضبط النفس حفاظا على شركائها الاوربيين في الاتفاقية النووية لتفوت الفرصة على ترامب.
هذا وتخلت إدارة ترامب من جانب واحد عن الاتفاق النووي في 8 أيار من العام المنصرم 2018, واختلف ترامب مع الأطراف الأخرى في الاتفاقية لانهم لا يريدون الانسحاب ومع تزايد التوترات، بدأت الاتفاق النووي يتلاشى، وتضمنت سياسة إدارة ترامب المتمثلة في الضغط على إيران، والتي بدأت بعد الانسحاب أيار الماضي وفرض عقوبات مشددة على قطاعيها المالي والنفطي.
وحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تخفيف حدة التوتر، واقترح حدًا ائتمانيًا بقيمة 15 مليار دولار لإيران مقابل انضمامها الكامل إلى خطة العمل المشتركة الشاملة. كما رحب بوزير الخارجية الإيراني في اجتماع مجموعة السبع في أب الماضي وحاول هندسة اجتماع بين ترامب والرئيس الإيراني حسن روحاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن الامور كانت تتحرك في الاتجاه المعاكس، مع تشديد الخناق على صادرات النفط الإيرانية ما دفع إيران للانتقام وكانت الرسالة الايرانية قوية وواضحة لترامب واوروبا وجاءت كالآتي: إذا لم نتمكن من بيع نفطنا وكسب العائدات فسنحاول ضمان عدم تمكن الآخرين من ذلك، وبحسب المحللين السياسيين لا يزال هناك الكثير من الصبر الاستراتيجي في طهران. في ضوء العقوبات الاقتصادية، أما بعد اغتيال سليماني فقد اختلف الامر خاصة بعد الرد العسكري القوي لايران ضد الولايات المتحدة وفي نفس الساعة والدقيقة التي تم فيها اغتيال سليماني وان الرد الثاني ربما يكون بامتلاك ايران لسلاح نووي، وهو أمر لا يمكن للولايات المتحدة تحمله ولا قدرة لها على ذلك سوى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على ايران.
السي إن إن الأميركية

 

ترجمة غادة سلامة
التاريخ: الجمعة 10-1-2020
الرقم: 17165


طباعة