اغتيال سليماني.. وأوروبا «المقعدة» عند قدمي واشنطن!!

 

أحدث اغتيال القيادي الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس على يد الجيش الأميركي في 2 كانون الثاني 2020 بناء على أوامر الرئيس ترامب صدى واسعاً في العالم، والأمر الغريب البرودة التي أظهرتها الدول الأوروبية أمام هذا الحدث حيث بدت شبه صامتة.
مع هذا التقى الرئيس الفرنسي إيمانوييل ماكرون في الخامس من هذا الشهر مع نظيره الأميركي مبدياً تضامناً كبيراً معه.
في هذه الأثناء كانت روسيا والصين تقومان بتقديم التعازي لإيران حكومة وشعباً مذكرتين بضرورة ضبط النفس من جانب جميع الجهات بما في ذلك الولايات المتحدة.
منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لم يتعامل مع الأوروبيين كحلفاء حقيقيين وبدا ذلك من خلال عدة مناسبات ومؤخراً عملية «نبع السلام» وهي عملية نفذّها أردوغان بالاتفاق مع ترامب حيث توغّل في شمال شرق سورية دون العودة إلى الحلفاء الأوروبيين.
كما أصدر المديرون التنفيذيون الفرنسيون والبريطانيون والألمان بياناً في السادس من الشهر الحالي يلومون فيه مرة أخرى ما أطلقوا عليه تسمية الدور السلبي الذي تلعبه ايران في منطقة الشرق الأوسط وهذا الأمر يوضح بكل بساطة أن الدول الأوروبية الأساسية لاتزال تعيش في منطق إنكارها للواقع والخضوع غير المشروط لأمريكا بالإضافة إلى افتقارها للشفافية والرؤية السياسية الصحيحة.
وجاءت الضربة الأميركية باغتيال القائد قاسم سليماني لتدهور جميع الآمال الأوروبية في التفاوض مع إيران حول الاتفاق النووي وحول قوتها الباليستية، لقد دفن دونالد ترامب بذلك جميع المحاولات الأوروبية الساعية إلى حل دبلوماسي فعلي مع إيران إلى غير رجعة، كما تسبب بإساءات كثيرة لحلفائه الأوروبيين.
إذاً دونالد ترامب يحاول جرّ العالم كله إلى حرب عالمية في الشرق الأوسط وأثارت القلاقل في العالم كل هذا لمصالحه الشخصية السياسية والانتخابية.
على كل الأحوال كانت الردود الإيرانية أمام اغتيال قاسم سليماني متعددة ومتنوعة فليس بإمكان الولايات المتحدة ولا أوروبا أو حتى حلف شمال الأطلسي الوقوف أمام الانتقام الإيراني.
القادة الإيرانيون اتخذوا بداية قرار تخصيب اليورانيوم حسب مقتضايات الحاجة وبالتعاون دائماً مع الوكالة الذرية.
في 6 كانون الثاني أعرب وزير الخارجية الأوروبية جوزيف بوريل عن أسفه أمام مسألة القرار الإيراني بهذا الشأن ناسياً أن إدارة ترامب لم تترك أمام إيران خياراً آخر، وأن هذا هو الحل الأخير أمامها لحماية نفسها وللدفاع عن سيادتها.
عدا ذلك ردّت إيران في 7و8 كانون الثاني 2020 بقصف أكبر قاعدتين عسكريتين في العراق عين الأسد واربيل ولا بدّ من القول من وجهة نظر عسكرية أن نظام الدفاع الأميركي وراداراته الأكثر فعالية في العالم كشفا عن فشل تكنولوجي جسيم أمام الصواريخ الإيرانية حيث عجزت الرادارات الأميركية عن كشف الصواريخ الإيرانية، الأمر الذي يدعو وزارة الدفاع الأميركية للتفكير ملياً قبل أي مواجهة مباشرة مع إيران.
وكان البريطانيون هم أول من أدان وبشدة الضربات الإيرانية على القواعد العسكرية الأميركية في العراق واصفين إياها بغير المعقولة وخطيرة إلى جانب ذلك يرفض البريطانيون باستمرار الإقرار بأن الخطر يأتي دوماً وبالدرجة الأولى من حليفتهم الولايات المتحدة من سلوكها السياسي وعجرفتها غير المحدودة.
أما بالنسبة لفرنسا التي تبدو أنها الركيزة الأساسية في محاولاتها للتقريب بين إيران والولايات المتحدة فقد أدانت الضربات الإيرانية على لسان وزير خارجيتها جان - إيف لودريان، معتبرة هذه الضربات أنها تستهدف التحالف الدولي بالدرجة الأولى الذي يحارب داعش - بحسب زعمها -.
على كل الأحوال، عن أي معركة تتحدث فرنسا؟ صرخ ترامب القائد الأعلى لهذا التحالف أنه أنهى الأمر بالنسبة لـ(داعش) على سبيل المثال، هذا التحالف الدولي نفسه تسبب بالكثير من الضحايا المدنيين في منطقة دير الزور.
أيضاً أدانت ألمانيا الرد الإيراني للقواعد العسكرية الأميركية على غرار الإدانة الفرنسية والبريطانية وأعرب وزير الخارجية الأوروبية جوزيف بوريل أسفه داعياً إلى السيطرة على التصعيد لتجنب كل المواجهات.
ختاماً يتضح لنا أن الأوروبيين يتبنّون دائماً الاستراتيجية السيئة وهي البقاء ملتصقين جسداً وروحاً بالولايات المتحدة التي تعاملهم كتوابع لها وليس كحلفاء حقيقيين.
هذا الخضوع التام للأوروبيين أمام الإدارة الأميركية يسيء بشدة لمصالحهم الاستراتيجية في العالم عموماً وفي الشرق الأوسط بشكل خاص وتبيّن التصريحات الأوروبية تجاه إيران أنهم ومنذ زمن طويل - يتخذون نفس الخيارات الأميركية لكنهم يختلفون معها في التطبيق.
من المؤسف أن أوروبا فوتت على نفسها فرصة تاريخية قدّمتها لها في سياق الأمور الحالية بما جرى حول يران بشكل غير مباشر للتخلص من الهيمنة الأميركية، ولكن يبدو أن الأوروبيين سعيدون بهذا النهج الذي يدفع بهم نحو الهاوية.
عن: موندياليزاسيون
بقلم: انطون شاربونتييه
ترجمة : سراب الأسمر
التاريخ: الأربعاء 15- 1 -2020
رقم العدد : 17169

 


طباعة