أميركـــــا.. دولة عظمى بسياسات صغرى!

 


دولة كبرى بسياسات صغرى، هذا هو التعبير المكافئ للولايات المتحدة الأميركية ليس لمجرد سلوك أحزابها ورؤسائها الذين تناوبوا عليها عبر خمسة وأربعين رئيساً فحسب، ولكن بطبيعة المدنية والحضارة التي استغرقت هذه الدولة وبالثقافة القائمة على أصول هي التعالي على الاخرين والتمركز حول الذات على حساب الاخرين وحشد طاقات التنمية في المسارات المادية ولاسيما الصناعات الحربية التي مازالت ترى في العالم كله محيطاً وتجمعات معادية، ولابد من ترويض شعوب العالم بطريقة الاقتراب أو التغلغل في دول هذا العالم وبطريقة تحويل الحكام الى مجرد اتباع من النوع الرخيص، والمهم في كل هذا التوصيف ان نستنتج بثبات ودقة أمرين مازال التاريخ المعاصر للعالم يقدم اميركا من خلالهما او هما يقدمان أميركا من خلالهما.
أما الامر الأول فهو هذه العلاقة العضوية مع الحركة الصهيونية منذ نشأة أميركا والصهيونية، حتى إذا تكرست هذه العلاقة في الوطن العربي توضحت عندها جذور هذه العلاقة وتطبيقاتها ولاسيما في محور الصراع العربي الصهيوني، حتى لقد اصبح الكيان الصهيوني هو البند الثاني في استراتيجيات الغرب وبصورة محددة في المناهج السياسية الأميركية، وبالمواكبة والتحليل ندرك في هذه السنوات العجاف المدى الذي عبر عن هذه العلاقة العضوية في قرارات كثيرة همجية ومنها نقل العاصمة الإسرائيلية من تل ابيب الى (القدس الشريف) ومنها قرار ضم الجولان العربي السوي المحتل للكيان الصهيوني المحتل، وكان هذا التجلي الخسيس في أن يؤدي رئيس مثل ترامب الطقوس اليهودية عند حائط المبكى أو ما هو معروف عربيا وإسلاميا ومسيحياً بجدار البراق، وأما الامر الثاني فهو المتمثل بجدارة وافتضاح في تبغي القوة المادية الصماء أساساً في بناء الدول من الداخل وأساساً في التعامل مع دول العالم صغيرها وكبيرها، والقوة المادية هنا هي مركب يتجر في الاستحواذ على السلاح الفتاك والمخصص لابادة الآخر او لاخضاع الشعوب لمنطق الهيمنة والابتزاز ونهب الثروات واعتماد نسق خطير من التزوير والتشويه والفبركات في الوصول إلى هذا الهدف المطلق والمتجذر في السلوك الأميركي عسكرياً وسياياً واقتصادياً وثقافياً.
ان المتابعة ومنهج إعمال العقل والنقد والتحليل يأخذ أي انسان عادي وشريف الى تطبيقات هذا التوصيف لاميركا في اطار الوقائع والاحداث التي تجري اليوم ضد العرب وقضايا العرب، وهنا فان العنوان الأبرز اميركياً يتمثل في تبني النظرة التلمودية عند اليهود والتي تؤكد بأن الآخرين هم أغيار اغومونيم ويستحيل ان يتم التفاعل أو التنسيق بين شعب أوجده الله لذاته مثل اميركا وبين شعوب تبحث عن ذاتها وتعتنق السلام وترى في الآخرين أشقاء وأصدقاء ومنتسبي مشوار إنساني واحد وصولاً الى مصير يقع الجميع تحت سمائه الواسعة، وفوق أرضه المعطاء والخصبة، وهكذا نتابع في نموذجين التطبيقات المرة والمنحرفة للسياسة الأميركية الراهنة.
اما التطبيق الأول فهو كل هذا السياق من الادعاء بأن اميركا تحارب الإرهابيين وما يتفرع عن ذلك من فبركات رأينا نموذجها في خان العسل وفي خان شيخون وفي دوما والغوطة الشرقية، والفبركات لا تزال مستمرة وهناك مواقع دولية ووكالات متخصصة جاهزة لكي تنقل التزوير الى السلوك وجاهزة أكثر لكي تخضع للاستعلاء الأميركي وتعطف السلوك على الجذور في الأعماق.
والمدى هنا طويل ومعقد لكن الأهم فيه هو التقاط القواعد المؤسسة والاعماق الناظمة للسياسات الأميركية المعادية للعالم كله، حتى اذا وصلنا الى التطبيق الثاني عبر جريمة الاغتيال لقائدين مقاومين كبيرين هما سليماني والمهندس، وتابعنا بقلق كيف ان الدولة الأميركية كما يعبر عنها ترامب الآن تستحضر عوامل الفعل المقصود وتبني الجريمة في احشائه وتنتهك أرواح البشر وسيادة الأوطان وكرامة الانسان أينما كان، ولنتذكر بأن هناك أكثر من خمس وثلاثين قاعدة أميركية منتشرة في الوطن العربي المنهوب والمنكوب وهي في الجوهر قائمة على انشاء طوق أميركي حول سورية العربية بالمقام بالاول، وهنا تفرض حالة الغثيان الممتدة في مساحة العالم كله والتي تحاول السياسة الأميركية نشرها وتعميمها بكل أسلحة القوة المادية.
بقلم: د. أحمد الحاج علي
التاريخ: الأربعاء 15- 1 -2020
رقم العدد : 17169

 


طباعة