أميركا-إيران.. حروب بمستويات جديدة



في 3 كانون الثاني الجاري، جرى اغتيال القائد قاسم سليماني بواسطة طائرات أميركية، وبأمر من الرئيس ترامب، ما جعل السياسة الأميركية تجاه إيران تنتقل إلى مستوى جديد، وهو مستوى مقلق. فبعد حملة العقوبات الجائرة، أضافت الولايات المتحدة عدواناً عسكرياً استهدف أحد الشخصيات البارزة في إيران بانتهاك صارخ للمادة 2و4 من شرعة الأمم المتحدة الخاصة بالتهديد أو استخدام القوة في العلاقات الدولية.
بعد أربعة أيام رد الحرس الثوري الإيراني بإطلاق 20 صاروخاً ضد قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق.

وحتى ولو لم يعلن الرئيس ترامب عن أي تصعيد عسكري في مؤتمره الصحفي الذي عقده في 8 كانون الثاني، إلا أنه عاد ليؤكد كل الأكاذيب التي ساقها ضد إيران. وبالتالي ظل الخطر قائماً بأن ترتكب الولايات المتحدة عدواناً واسع النطاق ضد إيران في الأسابيع والأشهر القادمة، ما سيؤدي إلى اندلاع حريق في المنطقة.
وفور عملية الاغتيال، جاءت الأسباب غير المنطقية التي تذرَّع بها ترامب وإدارته لتبرير الجريمة وكانت كثيرة ومتنوعة منها:
«تفادي حرب، أو بسبب الهجمات الوشيكة التي كان سليماني يحضر لشنها، أو بسبب آلاف القتلى من الجنود الأميركيين والذي كان مسؤولاً عنها، أو تخليص الشعب الإيراني، وسواها»... أضف إلى ذلك المزاعم الكاذبة التي نسبها نائب الرئيس (بنس) إلى «دوره في تفجيرات مركز التجارة العالمي عام 2001»، وكذلك الرئيس ترامب، «الهجوم الذي تعرض له الدبلوماسيون الأميركيون في بنغازي عام 2012».
ومن ثم، في البداية اعتمد ترامب التحذيرات التحريضية التي عودنا على سماعها قبل أن يتراجع عنها، وفيما إذا كانت إيران ستحمّله المسؤولية شخصياً ونيته ضرب 52 موقعاً في إيران بعضها مراكز ثقافية مهمة، في رد وصفه ترامب نفسه بـ (غير المتكافىء). فإن كل ذلك يبدو من جديد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقوانين الأميركية.
وعلى الرغم من الأجواء العبثية التي تتخبط بها الإدارة الأميركية، ووسائل الإعلام التي أخطأت بالإصرار على ذلك، فإنها استمرت بالتحريض والدعوة إلى الحرب والخروج عن قانون السياسة الخارجية الأميركية في غضون العقدين الماضيين بزعم (محاربة الإرهاب).
في الواقع، أكاذيب ترامب وأعوانه لم تكن إلا إضافة إلى تلك التي تحدثت عن أسلحة الدمار الشامل التي لم يكن يمتلكها العراق، وعلاقات صدام حسين التي لم تكن موجودة البتة مع (القاعدة) أو تلك التي ظلت راسخة في عهد إدارتي جورج دبليو بوش وباراك أوباما.
وبالطريقة عينها، فإن عدم شرعية الأعمال والتهديدات بحرب ترامب الحالية لم تكن إلا إضافة على عدم مشروعية اجتياح العراق في عام 2003، والتعذيب الذي مارسته الولايات المتحدة وعلى نطاق واسع بين أعوام 2001 و2008، وقلب الحكومة الليبية في عام 2011 والتي راح ضحيتها آلاف القتلى جلّهم من المدنيين، وفي حربها التي خاضتها بواسطة (المسيرات) في كل من إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وأخيراً، ترامب الذي ادعى في حملته الرئاسية أنه يريد وضع حد لحروب الإمبراطورية الأميركية التي لا تنتهي، نجد ميزانية (البنتاغون) في عهده ارتفعت من 610 إلى 738 مليار دولار بزيادة 21 بالمئة في غضون الثلاث سنوات الماضية. ومنذ أيار الماضي أرسل حوالي أكثر من 21000 جندي أميركي إلى منطقة الشرق الأوسط، وهو مؤشر واضح، على الأقل، يعكس الرغبة في إخافة ايران، ومن المحتمل، القيام بعدوان مفتوح في المرحلة القادمة، وبالتالي مواصلة حروب سابقيه.
وكما أجمع كثيرون على أن استهداف إيران بدأ منذ أكثر من 40 عاماً مضت. فإن هجوم ترامب كان مع الانسحاب من اتفاق فيينا وإعادة فرض عقوبات تعسفية واغتيال سليماني، وحتى ولو أدرجت في إطار الانقلاب على سنوات الرئيس أوباما، فالأمر لم يكن بالغريب ولا المفاجىء.
أضف إلى ذلك، هذا الهجوم يتفق اتفاقاً تاماً مع مصالح المجمع الصناعي- الحربي المتعطش لجني المكاسب، ومؤسسة المحافظين الجدد الساعين لمحاربة إيران، ورئيس مفتون بذاته، مصلحته الأساسية حالياً الحصول على (شروط أفضل) في سبيل إعادة انتخابه. وبصدد ذلك، فإن أحداث الأيام الماضية يمكن أن تحمل المطالبين بإقالته التخلي عن هذا المطلب.
لكن ثمة المزيد من هذه الأمور، كالظهور بصورة الرئيس القوي في مواجهة إيران، رئيس لا يريد الحرب ولكنه لن يتردد في خوضها (إذا ما اقتضت الضرورة) ما يكشف عن امتلاك ترامب ورقة رابحة في الانتخابات القادمة.
فضلاً عن ذلك، يدرك ترامب أن اندلاع الحرب التي ستؤدي إلى سقوط كثير من الضحايا الأميركيين في مدة قصيرة يمكن أن ترتد عليه. ولهذا السبب لم يكن من الممكن الاستعجال بمهاجمة إيران التي يطالب بها صقور المحافظين الجدد، وكثير من المحيطين به.
وحتى لو جرى استبعاد مخاطر نشوب حرب عسكرية مباشرة في الوقت الراهن، فإن أعمالاً عدوانية مستفزة من جانب الولايات المتحدة، كذلك نشوب نزاع دولي كبير يظل إمكانية قائمة خلال الأشهر القادمة.
عن: موندياليزاسيون
ترجمة: حسن حسن

التاريخ: الخميس 16- 1 -2020
رقم العدد : 17170

 


طباعة