الخيــــارات الأمميــــة والوطنيــــة الراهنــــة


منذ أن افتقد المجتمع الدولي التوازن في صناعة القرار الأممي عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتعرّض الاستقرار الدولي لمرحلة خطيرة من تموّج الأمن، والسلم الدوليين بما أضرّ بمصالح الدول التي ما زالت في مراحل التحرر الوطني من الاستعمار حيث أصبح التغوّل الإمبريالي المتصهين هو الذي يقف وراء عدم التقدم نحو العدل في العلاقات الدولية وفي الحرص على عالم تسود فيه مبادئ الاستقرار والتنمية، وحماية البيئة العالمية من مهدداتها القائمة على صعيد الطبيعة، أو على صعيد حركة الإنسان على الأرض وأشكال تهديده للبيئة الطبيعية والاجتماعية.
نعم منذ أن افتقد العالم توازن القرار الدولي دخلت البشرية حقبة من التدخل الداخلي في شؤون الأمم الأخرى بما استعادت معه الذاكرة البشرية عصر الاستعمار التاريخي الذي كان يحتل القوي فيه أرض الآخرين وينهب خيراتهم، ويجبرهم على التابعية له بكامل صور الاستبداد، والظلم، والتعدّي على حقوق الإنسان، والأوطان. وهذا ما يحصل في عصر اليوم حيث تدخل أميركا بقواتها إلى البقعة التي تراها من أراضي العرب دون أن تأخذ بهذا الدخول أحكام الشرعية القانونية، أو العلائقية مع الدولة المعنية بهذا الدخول. ومن أكبر مظاهر العهر في التعدي على السيادة الوطنية للآخرين أن الادعاء الأميركي لوجوده غير الشرعي في سورية هو من أجل داعش وإمكانيات عودة دورها، ووجودها، وبالوقت نفسه تقوم أميركا باغتيال القادة المقاومين لداعش، كما تقوم بتهيئة البيئة المؤدية لتكاثر الفيروس الداعشي مع مواصلة الدّجل، والتحايل، والكذب بأنها وُجِدَتْ على أرضنا لمحاربة داعش. وعلى المقلب الآخر توفر أميركا بقواعدها على أراضينا الممر الآمن للطيران الإسرائيلي لكي يقصف مطاراتنا التي تنطلق منها وسائطنا الحربية لقتال داعش في إدلب وأخواتها من النصرة وأشكال المجموعات الإرهابية المتعددة.
وعبر ما مرّ على بلدنا من حرب إرهابية كنا نستمع إلى الذرائع الواهية التي تغطّي العمالة لأميركا والصهيونية حين كانت تؤكد بعض الأبواق بأن أميركا وحلف العدوان الدولي يستهدف بُنى الاستبداد، وغياب حقوق الإنسان عندنا، ولذلك فهم دُعاةُ حرية لنا، وتحرر ليظهر لاحقاً بأنهم حملة المشروع الصهيوني الاستيطاني التهويدي وهذا ما رأيناه دوماً كلما أصبحت وتيرة التقدم لجيشنا البطل وحلفائه تطهّر المناطق المختلفة التي سيطر الإرهاب عليها يأتي العدوان الصهيوني بالحماية والدعم.
وحتى حينه لا تزال الأبواق تمارس حربها الإعلامية علينا وتجعل من هذا العدوان استهدافاً للوجود الإيراني على أراضينا وكأن كيان العدوان حريص على سيادتنا التي ينتهكها مع أميركا منذ عشرات العقود الماضية. والعدوان الأخير على مطار الــ (تي فور) يأتي في إطار توفير ظروف العدوان الصهيوني علينا الذي هو المهمة الدائمة للقوات الأميركية الموجودة خاصة حين أتى العدوان بالطيران الصهيوني من اتجاه منطقة التنف على الحدود السورية - العراقية وفي هذه المنطقة قاعدة عسكرية للوجود الأميركي غير الشرعي على الأرض السورية.
إن ما يستدعي التحرك من أجله اليوم لدى القوى الوطنية في شعبنا هو أن تواصل تمتين التحالف الداخلي لها في مواجهة الحرب الإرهابية علينا لأن أميركا بممارستها للمزيد من الحصار الاقتصادي، والعدوان العسكري تسعى لعدم تمكيننا من إنجاز النصر الكامل، كما تسعى لكيلا ينفتح الطريق إلى الحل السياسي، وتواصل سعيها لكي توطّد لدينا مشاعر قبول الإدارة من الخارج، وتراجع القرار الوطني الحريص على السيادة، والاستقلال يظهر هذا الهدف الأمروصهيوني من طريقة التعامل مع لجنة مناقشة الدستور التي تمّ تشكيلها لكنهم لم يتركوها لتعمل بالمنطق السوري- السوري باعتبار أن عملاءهم المشتغلين عندهم لا يستطيعون العمل بوطنية مخلصة فالعميل لا وطنية فيه وما الذي يُنتظر منه سوى المزيد من العرقلة؟!
والراهنية التي نعيشها اليوم على ضوء حصار جيشنا البطل وحلفائه للإرهابيين في إدلب، وغرب حلب، وعلى ضوء فرار المواطنين المأسورين عند مجموعات الإرهاب عن طريق الممرات التي فتحها لهم جيشنا في أبو الضهور وغيرها؛ وما يدحض الكذب الأمروصهيوني هو أن المدنيين في إدلب، وغرب حلب، وفي الجزيرة السورية لو خيّروا أين يذهبون لاختاروا فوراً الانتقال إلى مواقع الجيش السوري؛ فما معنى أن الجيش السوري يقصف المدنيين عند مراصد العمالة للصهيونية؟! والأمر المهم اليوم في مرحلة ما بعد اغتيال القائدين: سليماني، والمهندس أن جبهة المقاومة قد طرحت قضية إخراج القوات الأميركية من منطقتنا التي تمثل في الجغرافيا غرب آسيا وهذه القضية لها مقتضيات متعددة لعل أهمها تمتين التحالف بين جبهة المقاومة المحلية، والإقليمية، والدولية ولا سيما حين صرّح الرئيس الروسي بوتين أثناء مؤتمره الصحفي مع المستشارة الألمانية ميركل في موسكو بضرورة القضاء على الإرهاب في سورية بشكل نهائي وعودة كامل المناطق إلى سلطة الدولة السورية، وحلّ الأزمة فيها وفق قرار مجلس الأمن الدولي 2245 وإعادة الإعمار، وعودة المهجّرين إلى بلدهم. وبناء عليه فالمزيد من التنسيق، والمواجهة المشتركة لمحور المقاومة هو الذي يجعل الوجود الأميركي غير الشرعي على قيد الزوال.
وما أصبحت تستدعيه مقتضيات التحالف الداخلي هو أن تُنفخ الروح بالقضية الوطنية ليصبح المستوى المعيشي للمواطنين مهماً عند حيتان التجار الذين لم يعد الربح المعقول يكفيهم، وأن تكون شعاراتنا اليوم: معاً نحرر بلدنا من الإرهاب، ومعاً نبني الحياة فيه القائمة على المزيد من التعاضد الوطني، والتآزر، ولا وجود بيننا للذين لا يشعرون بجوع الفقراء، أو بآلام الناس، فالسوريون كانوا نسيجاً واحداً منذ آلاف السنين، ولا يجوز أن نسمح لمن يتخطّى هذا النسيج أن يبقى بيننا.

د. فايز عز الدين
التاريخ: الاثنين 20-1-2020
الرقم: 17172


طباعة