في الذكرى الحادية والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية في ايران ..فـــقءُ عــــين أميــــركا لأجــــل عيـــــون «ســـــــليماني»


ربما يصل الأمر لدى أمم الشرق ولا سيّما الأمة الإسلامية إلى حدّ المشكلة في حُسن تقدير عظمائها، حيث لا تكريم ولا تعريف بفضلهم يتناسب وجهودهم التي بذلوها طوال حياتهم، ولكن؛ فور ما نفقدهم نبدأ بالحديث عن عظمتهم وأخلاقياتهم وخدماتهم لمجتمعهم وللعالم، ربما يعود السبب إلى تواضع عظمائنا وابتعادهم عن هكذا احتفالات، فلم يعرفوا ولم تعرف منجزاتهم خلال حياتهم حق المعرفة، ولكن بعد ما رحلوا إلى عالم الخلود يصبحون حديث الساعة، هكذا حال القائد الشهيد قاسم سليماني، فمنذ أربعين يوماً منذ استشهاده إلى اليوم، أصبح مواطنوه - في إيران وفي البلدان التي خاطر بحياته لأجلهم واستشهد - يسمعون قصص بطولاته وسجاياه الأخلاقية.
بتنا نعرف ولا سيما من خلال الأفلام الوثائقية التي تبثّ، ومن خلال تصريحات زملائه بأنه كان قائداً عسكرياً لا يكتفي بقيادة المعارك من غرف القيادة بل كان ينزل إلى الميدان بذاته. لم يكن قائداً ممن يأمر جنوده بالذهاب، بل كان يناديهم، ما يشير إلى أنه كان يسبقهم إلى أرض الميدان، كان يقرأ فكر خصمه وأعدائه وما يخططون له، فاستطاع أن يُفشل أخطر ما خططوا له في العراق وفي سورية وفي لبنان وفي اليمن، حيث كانت نهاية الدولة الإسلامية المزعومة (داعش) مختومة بختمه، ودفع تقدم داعش في العراق بمؤامرة أميركية، ومنع سقوط دولة العراق، ومنع تقسيم العراق إلى دويلات، كلّها مسجلة باسمه.
ليس خافياً على أحد الدور المهم الذي قام به في إفشال المؤامرة الصهيوأمريكية بدعم أوروبي خليجي وهابي ضد سورية الحليف الاستراتيجي لإيران والدولة الأساسية في محور المقاومة، فلم يتردد لحظة ليقدم ما تراكم لديه من خبرات قتالية وتخطيط حربي إلى زملائه في الجيش العربي السوري ولعب دوراً أساسياً في كثير من المعارك إذ ستبقى بصماته خالدة في فك حصار دمشق وتحرير حلب ودير الزور وشرق الفرات حتى المعبر البري بين سورية والعراق متحدياً قرار أميركا بعدم السماح للاتصال البري بينهما، ولمنع التمدد الأميركي من التنف باتجاه الشمال إلى البوكمال.
لقد لخّص السيد الرئيس بشار الأسد كلّ هذا بكلامه عن الشهيد في برقيته إلى الإمام الخامنئي (إن ذكر الشهيد سليماني سيبقى خالداً في ضمائر الشعب السوري الذي لن ينسى وقوفه إلى جانب الجيش العربي السوري في دفاعه عن سورية ضد الإرهاب وداعميه وبصماته الجلية في العديد من الانتصارات ضد التنظيمات الإرهابية).
الشهيد سليماني كان قائداً يخطط للعمليات وينزل إلى الميدان، وكان مقاتلاً شريفاً لا يجرمنّه شنآن قوم ألّا يعدل، يحترم أخلاقيات الحرب ومزج القتال بالعبادة وكل هذا جعله قائداً عسكرياً استثنائياً يعترف بتمايزه حتى أعداؤه، خصماً منافساً شريفاً، سداً منيعاً بوجه مخططات الصهيوأمريكية في منطقتنا؛ أما أميركا فقد أثبتت باغتياله الغادر أنها دولة مارقة ناكثة لا تتحمل خصوماً شرفاء بل تريد أتباعاً طائعين، ولكن ما جرى بعد استشهاد القائد سليماني أثبت أنّه فعال أكثر، بل إنّ خطره شهيداً على المصالح الأميركية وأطماعها أشد وطأة من حضوره قائداً، حيث استشهاده أصبح منطلقاً لإخراج أميركا من المنطقة، وبدايته كان دكّ قاعدة (عين الأسد) ليس انتقاماً بل كما عبّر قائد الثورة صفعة وجهها لها الحرس الثوري، أما الانتقام فما زال في الطريق وبمرور الأيام ستثبت بأنَ ضرب القاعدة العسكرية الأميركية كان عملاً مفصلياً سيقّسم تاريخ التواجد الأميركي في المنطقة إلى ما قبل القصف وما بعده.
كتب أورسولا فون دولاين وزير دفاع ألمانيا السابق في موقع (دويتشه وله) الألماني عن ضرب إيران لقاعدة عين الأسد: (إيران باستهدافها قاعدة (عين الأسد) الأميركية قد أرسلت رسالة واضحة إلى العالم. بعد الحرب العالمية الثانية لم يهاجم أي بلد قاعدة عسكرية أميركية في أي نقطة في العالم. حسب بروتوكل الجيش الأميركي أي هجوم على أي قاعدة عسكرية أميركية حول العالم يعتبر هجوماً على الأراضي الأميركية.
إيران ليست عصابة أو ميليشيات بل دولة قامت بهذا وهاجمت أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العراق، القاعدة التي دون شك تحتضن الإمكانيات والتجهيزات العسكرية الأكثر تطوراً. توجد في هذه القاعدة غرفة حرب ومستشفى وسينما وكوفي شوب كأنها قطعة أرض أميركية حتى مياه الشرب تأتي من أميركا.
والآن بلد من العالم الثالث هاجم هذه القاعدة بصواريخ من صنعه واستهدف أكبر درع صاروخي في العالم pgs الذي صنع في فترة رئاسة بوش الابن مستلهم من حرب النجوم وبتكاليف باهظة جداً وقادر على رصد عالي المستوى.
هذا الاستهداف أرسل رسالة مهمة إلى أميركا ومتّحديها في المنطقة بأنكم في مرماي، أما دول المنطقة الداعمة لأميركا والتي صرفت أموالاً طائلة لشراء هذه المنظومة فتقف بتعجب متسائلة هل أن هذه المنظومة في أي معركة عسكرية تنفعهم؟!! أو أنه من المفترض أن تدفع مزيداً من الأم وال وتتحمل مزيداً من إهانات الرئيس الأميركي... أما آن وقت تبديل شريكها العسكري؟!! على فرض أنّ هذه العملية لم تخلف أي إصابة ولكن مجرد إصابة صاروخ بقاعدة (عين الأسد) ترسل رسالة مهمة إلى لاعبي الشرق الأوسط بأنّ عليهم إعادة النظر في اختيار شريكهم العسكري وربما تكون الصين وروسيا وحتى إيران شريكاً أنسب لهم).
محاولات العصبة الحاكمة في أميركا لإخفاء أبعاد وآثار القصف الصاروخي على قاعدتهم العسكرية وأكاذيبهم الفاضحة على غرار سياسة (غوبلز) الإعلامي على لسان رئيسهم دونالد ترمب بأنه لم يصب أيّ جندي أميركي حتى بجروح سطحية لم يصدقها العالم بل تيقّنوا بالعكس بعد بثّ صور وتقارير مصورة عن دمار قاعدة عين الأسد، وثمّ إعلان عن إصابة بعض الجنود الأمريكيين اقتضى نقلهم إلى ألمانيا حيث المشفى العسكري الأميركي المجهز، وكذلك ازدياد أعداد الجنود المصابين حيث لم يتم تحديد عددهم إلى الآن.
تمرّ ذكرى الثورة الإسلامية في عيدها الحادي والأربعين فاقدة أحد أبنائها من جيل تربّى في مدرسة الثورة الإسلامية، المدرسة التي قامت ببناء الإنسان وسلّحته بالأخلاق السامية والعلم لبناء مجتمع إنساني يؤمن بحياة كريمة حرة مستقلة عزيزة ويؤسس حضارة إنسانية تمتزج فيها القدرات العلمية والتطورات الصناعية بالسجايا الأخلاقية.
ومهما فقدت الثورة من أبنائها إلا أنها مستمرة رغم أنف المهلوسين بنهاية قريبة، وسيواصل الشعب الإيراني احتفالاته بعيد ثورته الحادية والأربعين رغم كل من وعد باغياً بأنّ الشعب الإيراني لن يحتفل بعيد ثورته الأربعين الفائت، الثورة مستمرة لأنها تستمد قدرتها من الشعب وتروّى جذورها من دم أبنائها كدم القائد الشهيد سليماني.
نحتفل هذه السنة ونحن على يقين أن المنطقة ستصبح خالية من التواجد العسكري الأميركي كثمرة تنمو من دم قاسم سليماني الزكي.

 

المستشار الثقافي لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سورية
التاريخ: الأربعاء 12-2-2020
الرقم: 17191