التـــوتــر الروســـي التــركي.. أردوغـــان في حفـــرة النــــار !!

 

 يعلو صوت الخلاف الروسي التركي ويزداد التوتر وخاصة مع فقدان أردوغان «أعصابه السياسية» نتيجة تقدم الجيش العربي السوري في الشمال، واستعادته لمساحات ميدانية قادرة على فرض خرائط جديدة على أي طاولة مفاوضات قادمة.
لاشك أن المعركة الجارية في ريفي إدلب وحلب وقدرات الجيش العربي السوري التي مكنته من استعادة طريق (m5) هذا الطريق المهم استراتيجيا واقتصاديا على الصعيد الإقليمي والعالمي أيضا، وتحرير أوتستراد (m4) واستعادة بلدات ومدن مهمة في ريفي إدلب وحلب مما يرجح الكفة لاستعادة إدلب قريبا..كل ذلك له وقعه المفاجىء والقاسي على رأس النظام التركي الذي بدأ يزيد من هيجان عدوانه على سورية ويكثف القصف بالمدافع والتصريحات ضد دمشق تارة متناسيا أنه هو من يقوم بعدوان على أرضها، وتارة ضد روسيا التي بلغ الخلاف معها هذه المرة حول سورية والكثير من الملفات ذروة غير مسبوقة، ما دفع الجانب الروسي للتصريح العلني بأن تنفيذ بنود «سوتشي» يجب أن يتم بالنار أو بالسياسة، فأردوغان لم يلتزم ببنوده بل استغل شيطان التفاصيل لنقل التعزيزات إلى «جبهة النصرة» الإرهابية بحجة نقاط المراقبة التي أفرزتها «آستنة»!!
اللافت أن أردوغان يفتح نيرانا لايشتهيها في التصعيد ضد موسكو ليس فقط بتخلفه عن تنفيذ الاتفاقات في سورية، وإفشال كل المباحثات التي جرت وخاصة خلال الأسبوع الماضي بين الوفدين الروسي والتركي بأنقرة حول الوضع في الشمال السوري ...بل بتطاوله أيضا على قضايا روسية حساسة وإدانته ضم روسيا لشبه جزيرة القِرم بزيارته الأخيرة إلى أوكرانيا، وتوقّيعه اتفاقًا عسكريا مع كييف...مايعني أن رئيس النظام التركي اختار التصعيد مع موسكو في أكثر من ملف، وذهب إلى المنطقة الأكثر حساسية لموسكو مابين سورية وأوكرانيا، الأمر الذي يعد تحرشا واضحا لجلب روسيا إلى طاولة مفاوضات لاتريد فردها معه قبل إنهاء الجيش العربي السوري عملياته العسكرية في إدلب.
خسارة أردوغان كبيرة، إذ هو أضحى بلا «سند إرهابي» من جبهة النصرة، وبلا مساحات ميدانية في الشمال السوري يفاوض عليها .. فالأقوياء في الميدان هم حكما أقوياء في السياسة وفي شروط التفاوض، فعلى ماذا يفاوض أردوغان؟! وهل تتلقف أميركا هذه اللحظات ؟!وهي التي طالما نظرت بعيني الغيظ لقدرة موسكو على لجم «السلطان» التركي، وجره من أذنه الإرهابية إلى اتفاقات في سورية، بل جعله يشتري صفقة «s400» في مضاربة روسية علنية على السلاح الأميركي!!
طالما شكل التواصل التركي الروسي وخاصة خلال السنوات الأربع الماضية قلقا لدى واشنطن وقد عبر عنه ترامب بالتلويح أكثر من مرة بالعقوبات ضد تركيا لشراء الأخيرة نظام صواريخ «s400» من روسيا، إلا أن قطع العلاقات الروسية التركية قد تكون أمنية أميركية لاتستهوي أردوغان، وهو القادر على التلون السياسي في كل لحظة، وعلى الرغم من أن شوكته العسكرية بدأت تتكسر في سورية وجنوده يقتلون في محاولاتهم إسناد الإرهابيين في العملية العسكرية للجيش العربي السوري، التي تؤيدها وتدعمها روسيا وتشجع على المضي بها حتى تحرير آخر شبر من الأراضي السورية، إلا أن اردوغان عاد خطوة للوراء بعد عودته من أوكرانيا وصرح قائلا «لسنا بحاجة للدخول في صراع أو تناقض خطير مع روسيا في هذه المرحلة».
وتابع أردوغان: «لا يمكننا التغاضي عن هذه «الشراكات الاستراتيجية مع روسيا»، لهذا السبب سنجلس ونناقش كل شيء مع روسيا، لن نفعل هذا ونحن غاضبون؛ لأنه سيؤدي فقط إلى ما يضر».
من خلال هذا التصريح لايبدو أردوغان راغبا أبدا في قطع العلاقات مع موسكو وخاصة أن تركيا تعتمد على روسيا في الحصول على نصف إمداداتها من الغاز، كما تقوم شركة روسية ببناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا.
بل إن أردوغان عاد مجددا ليتحدث عن مواصفات منظومة صواريخ «S-400»، الأمر الذي يؤكد أنه لن يضع رقبته بالكامل تحت قدم ترامب بل سيحافظ على مساحة سياسية مع موسكو تضمن له اللعب الدائم بأعصاب واشنطن ...فأردوغان لايثق تماما بترامب، وينظر بتمعن إلى طريقة تعامله مع الحلفاء، لذلك يحافظ دائما على ورقة لابتزازه رغم أن أردوغان يعلم جيداً بأنه أحد الممتلكات السياسية لواشنطن.
عقدة «قسد»
رغم مايدور من خلاف ببن موسكو وأنقرة إلا أنه يصعب على أردوغان الجلوس في حضن البيت الأبيض بشكل مريح دون الاتكاء إلى الكرملين، فالعلاقة بين ترامب و»قسد» في سورية تسبب له الدوار السياسي الذي يجعله يتراجع عن خطوة قطع العلاقات مع موسكو أو الذهاب للتصعيد حتى النهاية، فالتركي يريد مساحة للتفاوض وإنقاذ الإرهابيين في إدلب، إلا أن موسكو أبدت غضبا غير مسبوق تجاه سياسة أنقرة التي اعتمدت التلكؤ والتباطؤ في تنفيذ الاتفاقات في سوتشي لاستغلالها لصالح «السلطان» العثماني في سورية والمنطقة ..فابتزاز أردوغان لموسكو في ليبيا كان بورقة الإرهابيين في سورية ..لذلك هو اليوم في ورطة.
فدعم واشنطن لمسلحي «قسد» لا يزال يتسبب في زيادة التوتر في العلاقات الأميركية التركية، وفي الوقت الذي تسوق أنقرة لما يسمى «قوات سوريا الديمقراطية» بأنها منظمة إرهابية تهدد وجودها لارتباطها بحزب العمال الكردستاني داخل تركيا، تشدد التصريحات الأميركية على زيادة الدعم «لقسد»، فالمبعوث الأميركي الخاص إلى سورية جيمس جيفري أكد أن واشنطن مستمرة في دعم «قسد»، بل قال جيفري حرفيا الخميس الماضي خلال إفادة عبر الهاتف لوزارة الخارجية الأميركية: «واجهنا انتكاسة في سورية بشكل مؤقت في تشرين الأول الماضي مع الغزو التركي، لكننا عاودنا القيام بعمليات كاملة مع شريكنا المحلي «قسد».
من الواضح أن واشنطن بسلوكها باتت تستفز أردوغان وتتلاعب بأمنه القومي كما يقول، ما يجعل خيار العودة التركية الكاملة إلى أحضان أميركا كمن يعانق الأشواك الناعمة..فهذه العودة لن تكون خيارا لرئيس النظام التركي إلا إذا فقد كامل أوراقه مع موسكو، أو قدمت له واشنطن هدية بالتخلي عن «قسد» وهذا لن يحصل بالتفاوض الأميركي مع تركيا بل مع روسيا.
لا تظهر أنقرة ثقة مطلقة بالولايات المتحدة الأميركية فهي تثق بروسيا أكثر، وخاصة فيما يخص مصالحها وأمنها القومي، وهو ماصرح به السفير التركي السابق ميثات ريندي علنا عندما يقول:«الأمر المهم بالنسبة لتركيا وروسيا فيما يتعلق بسورية هو الحفاظ على سلامة أراضينا من التفتت بانفصال «المكون الكردي» وهو الأمر الذي لا يوجد اتفاق عليه بيننا وبين الولايات المتحدة».
وتابع ريندي: «إننا محبطون تماما من واشنطن، ليس الحكومة فحسب، بل الشعب التركي أيضا، لأنهم يتجاهلون المصالح الحيوية لتركيا».
لاشك أن ما يحصل في الشمال السوري وتحديدا بكسر الهيبة العسكرية لتركيا الدولة العضو الناتو أمام تقدم الجيش العربي السوري، وعدم التدخل الروسي لوقف المعركة بل بالتشجيع عليها يُعد تحذيرا حول وجود حفرة كبيرة في جدار علاقة أنقرة مع موسكو.
وينقل عن أتيلا يسيلادا المحلل في شركة «غلوبال سورس بارتنرز» قوله: «إن بوتين يدرك الآن أنه لا نية لدى تركيا للعودة إلى الولايات المتحدة؛ لذا فلا يوجد لديه حافز أو نية لأن يلقي لنا بالفتات أو يقدم تنازلات؛ لأنه يدرك أنه سيحصل على ما يريد من تركيا، والآن نحن نقول لا لكل ما تقوله أميركا، ونعم لكل ما تقوله روسيا».
يدرك التركي أيضا ما يمكن أن يكون عليه بوتين كخصم خطير، وتتردد المفردات والتصريحات في أنقرة اليوم أنه «سيكون أردوغان حذرا في نهاية المطاف؛ حتى لا يغضِب بوتين لأننا نعرف أنه عندما يغضب بوتين، تتولد لدينا المشكلات».
إذا «السلطان» العثماني اليوم في ورطة، ومساحة اللعب على التناقضات بين موسكو وواشنطن وخاصة في سورية أنقلبت عليه ووضعته في حفرة من نار، فهو لن يذهب لواشنطن طالما أن ميلشيا «قسد» في حضنها، ولا يريد تسليم رأس «الجولاني» لدمشق وموسكو .. ويبدو اليوم بين خيارين أحلاهما مر، ولكنه سيتجرع المرارة الروسية ويستجدي من الرئيس بوتين طاولة سياسية، لأنه يعلم تماما أن ترامب لن يتخلى عن « قسد» بل سيضيفها إلى أوراق اللعب

عزة الشتيوي
التاريخ: الجمعة 14-2-2020
الرقم: 17193