الجريمــــة لا تصـــدر مــن الفـــراغ ولا تصب في الفـــراغ


مثلما يحدث في الطبيعة كذلك يحدث في عالم الإنسان ، ومن ذلك زمن الصدام والتصادم حيث تتحقق مرحلة أمل مترهل وخادع ثم تتلوها مرحلة توتر إلى أن تستقر الأحوال على منتهاها عبر الانفجار الكبير وبما يعادل في حياة البشر زمن التصادم والصدام النهائي.
لعل الواقع القائم الآن في مسار هذا الحقد والعدوان على الوطن السوري يوضح لنا ولغيرنا حقائق هذه القاعدة ، ذلك أن السؤال الأهم الضاغط على الوجدان والعصب عند كل التشكيلات البشرية هو في زمن المفاجأة إذ ما يضطلع به النظام السياسي والاجتماعي التركي يخرج عن كل مكونات المنطق، فهذه الكمية وبهذه النوعية من شبق التدمير وسفك الدم والتي ما زالت تؤسس للجريمة الموصوفة على وطننا السوري إنما هي ظاهرة غشاها الاختلاط والضبابية لمراحل طويلة سابقة إلى أن نضجت النوايا وتكشفت الرغبات وتركيا أوردغان تقوم بهذا الدور العدواني على نحو مكشوف صارخ وقد نسف هذا الدور كل الاحتمالات والتوقعات التي تفترضها حالة الجوار الجغرافي وتزكيها حالة أنساق المشتركات ما بين الأمتين ولاسيما عبر الإسلام السامي الحنيف والدرجة الغارقة في القدم عبر تشابكات التاريخ ، وهذا ما يحدث المفاجأة الصعبة إذ كيف تمارس تركيا أوردغان كل هذا الهيجان والقتل على وطن متحضر مسالم مشبع بالحب والتضامن والبحث العميق عن سعادة العالم وحضارة العالم ولا سيما ما بين جارين متلاصقين ، هذا السؤال الكبير والمرير لا يمكن له أن يمر عابراً أو متروكاً للتأويلات المجزوءة، فالزمن له قيمته وما أنجزه الزمن عبر قرون وما استقر من خلاصات عند هذا الطرف أو ذاك إنما يخبرنا عن ارتكاسات تراكمت ولم تكن ملحوظة بما يكفي في المراحل السابقة ،والقاعدة تقول هنا لا شيء يصدر من الفراغ ولا شيء يصب في الفراغ.
إن السلوك الراهن هو حصيلة مسارات وفكر وثقافة وأهواء تغوص في العمق حتى جاءت لحظة الاستبداد واعتناق القوة الصماء عند الاتراك فانطلقت هذه النزعات الشريرة المشبوهة بطريقة الصدام والتصادم، فها هي لحظة إظهار القوة الغاشمة قد فرضت حضورها, واستدرجت من المكامن المشوهة في دولة العثمانيين كل المنابع والمستقرات النفسية والأخلاقية لكي يتشكل هذا الفيض الغادر من استبداد نزعة العدوان وسفك الدم والتهديد والتدمير وهذا ما يدفعنا لكي نستنجد بوقائع التاريخ على مدى قرون ونعطف مكونات اللحظة الراهنة على جذورها ومنابعها التركية العثمانية الطورانية السلجوقية المغولية والتي استهوتها قصة يهود الدونما التي تحركت منذ أن انهارت بلا أسف وبلا رجعة مملكة اليهود في بحر الخزر (قزوين).
وهذه النزعة تقوم على استبقاء ثوابت الشر في الأعماق والتظاهر بمعطيات إيجابية بقصد التخفي والخداع والتربص بانتظار لحظة الانقضاض على المواقع المسالمة والبانية والحانية بكل تاريخها ما كان من هذا التاريخ وما هو متوقع وقادم, ولا يكفي أن نبقى في الدائرة المغلقة والمتكررة لوصف جرائم أردوعان, أو لتوظيف عناوين قريبة من زمننا هذا في تفسير الجريمة ونحن نعلم قصة المذابح ضد مكونات الحضارة في هذا الجزء سيء الحظ من العالم فما وجد حتى الآن شعب أو أمة نجت من الشر العثماني القائم على الجهل المطلق ولغة السيف المغلق ويحدث في التاريخ أن تنسكب أصول الجريمة في نظام سياسي أو في شخص مهووس, مثل عدنان مندريس في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي ومثل توركت أوزال في عقد التسعينيات من القرن الماضي والآن تجمعت الأحقاد والخلاصات الموبوءة وصاغت مجرماً هو الأخطر والأخبث رجب أردوغان, وممارساته الإرهابية تدل عليه وتقدم مؤشرات مسيرته الشخصية والعامة على أنها هي الشر المطلق والخداع المطلق والحقد المطلق على الوطن السوري, ويأتي التعديل المضاف لمسيرة الشؤم هذه عبر هذه الوحدة العضوية مع الحركة الصهيونية ومع أميركا الامبريالية ومع هذه الأفواج والأمواج المسمومة من مجموعات الإرهاب والارتزاق العقائدي والعسكري وللقصة أبعاد أعمق وفصول لابد أن تظهر مع كل لحظة.

د. أحمد الحاج علي
التاريخ: الثلاثاء 18-2-2020
الرقم: 17195