أردوغان يناور في ملعب «الأوبئة».. و«فيروس الوهم» يفتك بأحلامه

لم يقدم المشهد منذ اتفاق وقف الأعمال القتالية في الشمال(تفاهم موسكو) أي جديد يضفي على القادم من الأيام أي مسحة من التفاؤل تشي بأن النظام التركي قد يغير من سلوكه العبثي وسياساته التخريبية على الأرض، ذلك أن كل التصرفات التي قامت بها التنظيمات الإرهابية المدعومة من أردوغان خلال الأيام القليلة الماضية التي أعقبت توقيع الاتفاق، أثبتت أن هذا النظام الإخواني لا يزال خارج سياق الواقع بتحولاته وتغيراته التي فرضت عناوين جديدة للمرحلة برمتها توجب على أنقرة إن هي راغبة حقاً بالتهدئة والذهاب إلى الحلول السياسية الانصياع والتسليم بكل التطورات الميدانية الأخيرة التي نزعت من أردوغان معظم خيارات الابتزاز والمساومة ودفعت به إلى أعماق الجنون والهستيريا والتخبط.
أردوغان يحاول اليوم اختراق (الحجر السياسي) الذي دخله بأوهامه وحماقاته وغروره وسياساته البلهاء، بعد أن بات الحل الوحيد لاحتوائه وكبح جنونه، وهذا الأمر بات مفروضاً عليه من كل الأطراف، بمن في ذلك حلفاؤه وشركائه في الحرب على سورية، وهذا يعزى بطبيعة الحال إلى سياسات الخداع والابتزاز واللعب على كل الحبال التي أضحى ينتهجها مع الجميع وبكل صفاقة وبشكل علني، بالرغم من استمرار الدعم الخفي من شركائه في الإرهاب لسلوكه التصعيدي في الميدان.
أردوغان وكما هي عادته يحاول اقتناص الفرص واستغلال كل مساحات وهوامش الفراغ من أجل الاستمرار بممارسة إرهابه وابتزازه، فهو يحاول استغلال انشغال العالم بمواجهة وباء كورونا ليمضي قدما بسياسات العرقلة والعبث والتصعيد، وهذا بدا واضحا مؤخراً من خلال إعطاء الأوامر لإرهابيه بالتحشيد والتسليح وإعادة التموضع والتخندق تمهيدا لجولة جديدة من التصعيد ضد الجيش العربي السوري بغية العبث بحوامل وركائز الواقع الذي بدت قواعده راسخة جدا في عمق المشهد، لجهة امتلاك دمشق لزمام المبادرة بشكل كامل ومطلق في محيط إدلب بشكل خاص وفي الشمال السوري بشكل عام.
على الأرض يتجسد بشكل واضح السلوك التركي الرافض لتطبيق تفاهم موسكو الذي نص بالدرجة الأولى على فتح الطريق الدولية حلب -اللاذقية، وهذا من خلال دفع النظام التركي لإرهابييه لمواصلة عرقلة الدوريات المشتركة، والتي فشلت حتى اللحظة في العبور على طول الطريق الدولي بسبب انتهاكات وتصرفات التنظيمات الإرهابية الموجودة هناك والتي أعلنت بشكل صريح رفضها للاتفاق وعزمها على إفشاله، في ظل صمت تركي حيال سلوكيات التنظيمات الإرهابية المدعومة من قبله، لجهة عدم إرغامهم على القبول بالاتفاق وتطبيقه وفتح الطريق الدولي بالرغم من تعهد اللص أردوغان بالقيام بذلك، وهذا ما يؤكد مجددا نيات وأهداف ذلك الإخواني التي قد تدفع بدمشق إلى استئناف العمليات العسكرية هناك وفي أي لحظة.
كل المعطيات تشير إلى أن أنقرة ليست بوارد تنفيذ تفاهم موسكو، في ضوء التحشيد والتصعيد الواضح من قبل أردوغان وإرهابييه، وهذا ما يرجح العودة السريعة إلى خيارات العمل العسكري الذي سيكون هذه المرة حاسماً بشكل مطلق بعد أن استنفد الأخير كل الفرص المعطاة له.
كذلك ليس مصادفة أن يعود الحديث عن عودة نشطة لتنظيم داعش الإرهابي، ولاسيما في أرياف دير الزور وخاصة في المناطق التي تحتلها وتسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية ومرتزقتها، وهذا ما يؤكد مجدداً ذلك الترابط العضوي والوظيفي بين أطراف الإرهاب لجهة الأهداف والغايات، وخصوصا بين الأميركي من جهة وبين التركي من جهة أخرى.
يمكن القول إن (تفاهم موسكو) وبالرغم من فشل تطبيقه حتى اللحظة إلا أنه أرسى واقعاً جديداً سواء لجهة الإنجازات والانتصارات الكبرى التي حققتها الدولة السورية خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية التي سبقت الاتفاق، أم لجهة صياغته ورسمه لمرحلة جديدة من التعاطي الاستراتيجي مع التحولات الميدانية الجارفة التي لم يعد ينفع معها الخداع والمماطلة وسياسيات المساومة والابتزاز.
ثمة عناوين كبيرة تشكلت في الأفق إثر انتصارات الجيش العربي السوري، يجب على أردوغان قراءتها جيداً، أهمها أنه لا تلاعب أو التفاف بعد اليوم، وأن العودة إلى الوراء خطوة واحدة باتت أمراً مستحيلاً، ليس هذا فحسب، بل إن الرسالة الأهم التي يجب عليه فهمها وإدراكها هي أن خياراته باتت معدومة على الأرض، وأن عليه الاستجابة لتحولات ومتغيرات الواقع الميداني الذي يفرض عليه التخلي عن سياساته الداعمة للإرهاب وكذلك عن طموحاته وأوهامه العثمانية والاخوانية داخل الجغرافية السورية.

 

فؤاد الوادي
التاريخ: الجمعة 20-3-2020
الرقم: 17221