الأدوار المتبادلـة والـعــدوان المشـــترك

 



دخلت السنة العاشرة على الحرب الإرهابية على سورية، واكتشف المجتمع الدولي استهدافاتها ما خفي منها بادئ الأمر ثم ما ظهر أمره لاحقاً، وبقيت الأضاليل الغربية الصهيونية تكابر في تغليف الأهداف العدوانية بطوابع إنسانية، وحقوقية وكأنّ البشر هنا وفي الإقليم وكذلك في العالم لا عقل لديها يميّز ما يُرى أو يتنبّأ بما لا يُرى. وبناء عليه تبرز السياسات الأميركية والصهيونية، ومَنْ يدور بفلكها ويتمّ تشغيله لديها وكأنهم -أي أصحابها- منقطعون عن الواقع، ومستكبرون على تلمس حقائقه ولو مارسوا كافة أشكال الغطرسة وعدم احترام القانون الدولي، وما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة. وما تتمنّاه شعوب الأرض اليوم هو أن تعود الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى لعب دور الإدارة العالمية العادلة كي يستتبّ السلام على كوكب الأرض ويعم الأمن الإنساني بجوانبه كافة.
وما حدث من طغيان على السوريين في هذا العقد الأسود من الزمان لم يشهده تاريخ البشرية منذ مذابح القرون الوسطى إلى الحروب العالمية المعروفة، ومن غرائب الأحوال أن الدّجل الدولي يُمارس بأبشع صور التخلّي عن الأخلاق الإنسانية ولا يجد من يقف بوجهه في كلمة كفى، أو إلى متى؟ حتى الاتحاد الروسي حين طرح فكرة اجتماع الخمس الكبار في مجلس الأمن الدولي لمناقشة أحوال الأمن والسلم الدوليين، وبؤر التوتر والنّزاعات لدى الأمم لم يجد الأذن الصاغية إلا إذا كان الاجتماع في واشنطن لكي تظهر الزعامة الأميركية أنها ما زالت على رأس النظام الدولي على الرغم مما فعلته أميركا من خراب المنظومات التي كانت توفّر التّوازن في القرار الدولي، وتساعد الأمم على تبادل المنافع، وتكامل المصالح المشتركة، وقضايا الوجود والمصير.
نعم لقد نسفت أميركا وأطلسيّوها بالتّحكم الصهيوني والإدارة أسس العلاقات الدولية، وتخطّت بخطاب القوة الفاشية كافة قواعد المنطق الأخلاقي في النظر والعمل بين شعوب الأرض لتدخل الإنسانية المعاصرة فضاءً من الفوضى، والتّنازع، والحروب، والتّدمير بوقف النّهج التّنموي حتى تواصل أميركا تجريف ثروات الأمم، وتقييد تطلّعاتها الوطنية، وربطها بعجلة السّيطرة والاستحواذ فلا تبقى لها سيادة، أو قرار استقلال.
وفي التّحليل التّاريخي والسّياسي لحروب أميركا ما وراء البحار لا بد أن يقف الباحث عند هذا الاستعلاء على شعوب الأرض وهذه الفوقيّة في التّعامل مع الأمم ولهذا فالكراهيّة الأمميّة لهذه الدّولة قائمة وتزداد وتائرها يوماً بعد يوم ولا سيما في عهد ترامب الذي يتحدث عن أميركا أولاً ثم في أميركا ذاتها لا يرى قبل مصالحه الشخصية أي شأنٍ عام يتعلق بالشّعب الأميركي في حاله، ومسارات أحواله.
ولننظر إلى النّزعة الجيوسياسية الأميركية المتغطرسة على الأرض العربية بدءاً من ممالك الرّمال ومشيخاتها، وانتهاءً في اليمن، والعراق، وسورية حيث لا يوجد لها حليف بل لا تقبل بشراكة الحلفاء وفي وَهْمِها أن الذي يحالفها هو تابع ملحق بها تتركه في اللحظة التي لا تتحقق مصالحها فيه أو معه غير آسفةٍ عليه كما حدث مع شاه إيران من قبل، وكما يردّد ترامب لآل سعود أنه حين يتركهم لا يستمرون في الحكم لأسبوعين ولذا فالدّفع مقابل الحماية، هكذا إذن الأسلوب الأميركي وأشكال العلاقات مع أميركا.
فمن لا يدور بفلكها ويخدم الصهيونية في نهاية كل حالة لا يمكن لها أن تتعامل معه أو ترضى عنه، ومن هنا قد دخلت العراق لتدمّر الدولة المركزيّة، وخلق الكيان العراقي الفيدرالي الذي لا يمكن أن يتوافق على مبادئ مشتركة، أو أهداف جامعة وعليه سيبقى العراق على أرضيّة التّنازعات الوطنيّة بما لا يستحصل معها على القوّة التي تشكّل خطراً على المشروع الصهيوني على أرض العرب.
وقد دخلت إلى سورية على أساس من هذه الأهداف، وتقسيمُ سورية، ومنعها من الحسم العسكري للوجود الإرهابي على أرضها هو غاية الاستهداف الأميركي بالوجود العسكري غير الشرعي على أراضينا. ورغم الادعاء الأميركي الكاذب بالحرب على الإرهاب في العراق وسورية نشاهد الجيش الأميركي المحتلّ في العراق، وعلى الأرض السورية يوفّر الغطاء العسكري للإرهابيين لكيلا تتم تصفيتهم، ونشاهده ينقل متزعميهم بطائراته المروحية من مكان إلى آخر ليحميهم من الموت. ووفق مقتضاه صار المجتمع الدولي يدرك اللعبة الأميركية الصهيونية على الأرض السورية وحين يصرّح قادة الحرب الإرهابية الأصلاء أي أميركا وأطلسيوها أن الحسم العسكري غير ممكن على صعيد إنهاء الوجود الإرهابي ذلك لأنهم لا يريدون لهم أي للإرهابيين فناءً بل يريدون حمايتهم لاستثمارهم على أرض سورية بإطالة أمد الحرب الإرهابية علينا من جهة حتى تحقق أميركا -حسب وهمهما- الحل السياسي الذي صمّمته، وخطّطت له وجعلته على أرضيّة تقسيم الجغرافية الطبيعية والبشرية؛ وتحطيم الثقافة العروبية، والتّاريخ المشترك للسوريين، ومن ناحية أخرى حتى تتمكن بالتعاون مع أردوغان على نقل هؤلاء الإرهابيين إلى شمال إفريقيا، وجعلهم ينسفون إقامة الدولة الوطنية المستقرة في المجموعة العربية هنالك، ويمكن أن يستثمروهم ضد الدول الإفريقية التي تشبُّ عن الطوق الأميركي والصهيوني وتذهب إلى توطيد العلاقات مع الصين وروسيا الاتحادية.
هذه هي أميركا الحريصة على المشروع الصهيوني التهويدي في بلادنا وخاصة على أرض فلسطين أكثر من حرصها على مصالح شعبها، وهذا ترامب لا يريد أن يسمّي سكان القدس الشرقية بالفلسطينيين لكأنّ سكان هذه المنطقة أتوا مهاجرين عبر الهجرات كما هو قائم في دولته أميركا! وما تدير أميركا به أردوغان على أرض محافظة إدلب، وفي الجزيرة السورية يعطي الانطباع السريع على عرقلة كافة الجهود الميدانية والدبلوماسية لإنهاء الحرب على الإرهاب. وما يبرز أمام المجتمع الدولي هو أن منع الإرهابيين من فتح طريق حلب - اللاذقية باستخدام السلاح المتطور الذي أعطتهم إياه أميركا أو مدّهم به أردوغان مسألة لا تقف عندها أميركا.
وخطف المدنيين وتحويلهم إلى دروع بشرية حقٌّ لدى أميركا، أما إذا تقدّم الجيش العربي السوري وحلفاؤه في أيّ بقعة لتخليصهم من الإرهاب فتقف ضده، وحين يفتح الجيش ممرات آمنة للمدنيين تحتجزهم المجموعات الإرهابية، لا يبقون مدنيين محتجزين عند أميركا وأردوغان والمشتغلين عند الصهاينة، هذه الأساليب الفاشية بحق المدنيين السوريين في إدلب والجزيرة السورية لا يستنكرها الغرب المتصهين وعملاؤه الأعراب بل يستنكرون تقدّم الجيش وحلفائه للحسم العسكري!، فالمعادلة الراهنة هي معادلة الفوضى المطلوبة، وتعدد المشاريع، والمزيد من اختراق القانون الدولي والإنساني ومواثيق الأمم المتحدة، وتجاهل صلاحيات مجلس الأمن ومنعه من تطبيق قراراته الخاصة بمحاربة الإرهاب، وإنهاء التطرف والتكفيريين، وفي كل يوم تشجّع أميركا أجيرها أردوغان على تجاهل ما اتفق عليه مع الاتحاد الروسي، وتدفعه لعدم الوصول إلى الحل السياسي لقضية الإرهاب بنقلهم من المكان إلى البلاد التي جاؤوا منها، أو أي مكان آخر، وتدعمه ليقوّي وجوده العسكري على أرض إدلب.
وتدّعي أنها تتفهّم هواجسه في الخطر الذي تشكله (قسد) على بلاده وهي كاذبة، فهي تشجع (قسد) على النزعة الانفصالية في سورية لكي ينتقل الحال إلى تركيا حيث من المعروف في وثائق الأركان الأميركية رغبة مرسومة عند البنتاغون بتقسيم تركيا، كما هو المخطط لتقسيم سورية، ولكن أردوغان لا يستطيع أن يُظهر هذه النوايا المبيّتة على بلاده لكون الأجير ليس له إلا أن يكون دوماً عند حسن ظنّ مُعلّمِهِ، ومن هنا جاء تصريح وزارة الدفاع الروسية بأن الإرهابيين في إدلب يتسلحون ويحتشدون وهذا يعني أن الحسم العسكري ضدهم آتٍ لا محالة، ولو كره الكارهون.

د. فايز عز الدين
التاريخ: الاثنين23-3-2020
الرقم: 17222


طباعة