مقومات حياتية في قبضة عقوبات اقتصادية


عذرا من ضيوفنا الكرام .. فالظروف الحالية التي فرضتها ضدنا عقوبات اقتصادية أحادية الجانب، لم تدع لنا مجالا لممارسة كرم الضيافة ومد الموائد العامرة ترحيبا وتوجيبا، ولا تسمح ظروفنا الكهربائية الطارئة بتدفئة طارق أبوابنا في قارص شتائنا، و الارتجاف للأسف سيكون حاله وحالنا، ولا دفء متوفرا لدينا إلا أحاديث دافئة وبطانيات تحضن أجسادنا.
من تبعات الأزمة
مما لا شك فيه أن عاداتنا الاجتماعية تأثرت و أصابتها لوثة من تبعات أزمة رحلت و بقيت تبعاتها تسكن و تنغص يومياتنا ، وكل شيء بات مرتبطا بعبارة «عقوبات اقتصادية» يتقن تحليلها و تفنيد تبعاتها صغارنا و كبارنا ، حتى تواصلنا الاجتماعي أصبح محكوما ببرنامج تقنين تبرمج على توقيته الزيارات ، و تفصل على مقاس ساعاته الضيقة المناسبات ، لينعم الضيف والمضيف بزيارة سعيدة ، لا يعكر صفوها نفاد شحن بطارية ولا مصعد معطل وتدفئة غائبة.
في زيارة اضطرارية تمت تحت إنارة خافتة لـ» لدات» و بطارية انهكها تقنين طويل فباتت تحتضر في حضرة ضيوف بالكاد يرون وجوه بعضهم ، مع دعوات متتالية بحضور وشيك لتيار كهربائي ، وضعت هموما حياتية سائدة على طاولة الضيافة منذ اللحظات الأولى لاجتماع الضيوف، واشترك الجميع دون استثناء في عزف موشح النق المشترك بقيادة مايسترو محترف ، لم يدع مقطوعة من مقطوعات الشكوى لم يعزفها.
بدائل متاحة
قطعت وصلة النق الجماعي صاحبة البيت ، و قد غزا تعابير وجهها تلبك واضح ، لتدلي باعتذار خجول لعدم قدرتها على تقديم واجب الضيافة «المتة» لانقطاع التيار الكهربائي و نفاد جرة الغاز منذ أيام، واعدة باستدراك الأمر حال عودة الكهرباء و الاستعانة بطباخ ليزري يعيد ماء وجه المضيف ، مضيفة «إن شاء الله ما تتأخر الكهرباء و يسود وجهي».
العتب مرفوع
إحدى السيدات الجالسات هونت على صاحبة البيت و قالت: بهذه الظروف لا أحد يعتب على أحد ، و الوضع خارج إرادتنا و هو حالة استثنائية صعبة نمر بها جميعا ، و أضافت: منذ عدة أيام مضت جاء أهل زوجي من الضيعة، و لم أستطع تحضير طعام الغداء لهم ، فجرة الغاز نفدت منذ فترة ، و التيار الكهربائي لدى عودته يكون ضعيفا للغاية يصعب تحضير الطعام عليه وقت الظهر ، و لم يكن هناك مجال إلا شراء طعام جاهز كلف آلاف الليرات.
تدخلت إحدى الحاضرات بالقول: بصراحة لم أعد أذهب لزيارة أحد إلا في حالات الضرورة كعيادة مريض أو تقديم واجب لفرح أو عزاء ، وذلك تحسبا من رد الزيارة ، فبيتي بارد جدا و مدفأة المازوت بغرفة الجلوس حيث يجلس زوجي و أولادي، بينما غرفة الاستقبال تدفئتها كهربائية ، و في حال انقطاع الكهرباء، أخجل من الضيوف لشدة البرد.
ارتفع صخب معزوفة النق لدى تكرار اعتذار صاحبة البيت فقد أتت الكهرباء وسرعان ما غادرت كوميض برق ، حتى فنجان القهوة غاب عن واجب الضيافة ، واسود وجه المضيفة الكريمة و لكنها معذورة ، فغياب الغاز دون إرادتها ، وزيادة ساعات التقنين أمر واقع لا محالة بسبب وضع اقتصادي طارئ.
حياة مستمرة
و لأن مواطننا فنان بالشكوى ، فقد شمل موشح النق مشكلة المواصلات ، و بدأت المباحثات في البحث عن حلول منطقية لازدحام المواصلات اللامعقولة ، فالسرافيس تركت أكداسا بشرية على قارعة الرصيف لقلة مادة المازوت ، و صرف الساعات في أرتال طويلة لانتظار دور وتعبئة المازوت للسيرفيس، كان هذا نق صادر عن صاحب البيت الذي وجد حلا ذكيا و أصبح يذهب إلى عمله سيرا على الأقدام ، بينما يسابق ابنه الشاب الرياح إلى جامعته على دراجة هوائية نكاية بكل الصعوبات ، لم لا فنحن نعيش الحياة الذكية!! ..
لا شكر على واجب
بين تبريرات حكومية محقة و استياء مواطن تقطعت به السبل ، لا مفر من مزيد من الصبر و كم هائل من التحمل ، و البحث مليا في صندوقنا الأسود عن الكثير من البدائل الذكية للبقاء على قيد حياة ، و الاستعانة بخبرة أجدادنا و أسلافنا في التأقلم الذكي مع شظف العيش ، و نبش الماضي و العودة لـ» بابور» الكاز هذا إن توفر لتحضير الطعام ، و ركن الغسالة الأتوماتيكية و التشمير عن السواعد تأهبا لغسيل يدوي ، و التمتع بجو حالم على ضوء الشموع ، و العودة لمعاجم اللغة العربية بحثا عن شكر يليق بشكر حكومي على تحملنا و صبرنا اللامحدود... لم لا و نحن شعب ذاع صيته بقهر الصعوبات دون أن يرف جفن قهره ، رفعت الموائد وجفت الأطباق....
منال السماك

 

التاريخ: الأثنين 11-3-2019
رقم العدد : 16928