مسنّون .. بيـــــن البــــر والجحـــــود

كان مستعجلا جدا و كأنه يريد أن يسابق عقارب الدقائق وأفاعي الساعات الملتفة حول عنقه حتى كادت أن تخنقه ضيقا ، تمتم بكلمات لم يفقهها المتواجدون حول الأسرة المفطورة ألماً، بينما كانت تعابير وجهه تسيل سما ونقمة ، وكأن الشياطين تتراقص أمام قامته المتوثبة لصب جام الغضب على سنوات قدر مثقوب نحسا ، و أيام عجاف لا تنقشع غيومها و لا تمطر فرجا ، لتسقي روحه بمزيد من الصبر و طول البال ، لم ينظر بعيني الطبيب المسعف وربما لم ينصت لتشخيصه الطبي عن حالة والده الصحية الحرجة، و قد تكون عبرت تلك الكلمات مجرى سمعه و خرجت من الأذن الأخرى ، دون أن يترجمها وعيه الغائب عن المكان و الزمان ، كان بحالة مشوشة رسمت ملامحها حركات يديه العشوائية ومشيته التائهة بين المغادرة أو البقاء جوار السرير ، حيث يرقد والده شبه حي أو أشبه بميت استسلم لقدر شيخوخة و قرر الرحيل ليرتاح و يريح من حوله..
فجأة انتصر عقوقه وجحوده فرمى بوصفة طبية دون عليها الطبيب بعض الأدوية ليشتريها من خارج المشفى ، و أدار ظهره مسابقا الرياح و كأنه مطارد من صحوة ضمير غائب أو خائف من مهاجمة ذكريات و صور تخجل نكرانه للجميل وترديه فريسة لتأنيب و ندم.
غريب أمر الأبناء و عجيب .. قالها الطبيب المقيم لدى عودته للغرفة التي تحوي الكثير من الحالات الاسعافية في مشفى حكومي، وتابع بالقول: ما الذي يحصل يا لطيف.. الأبناء يأتون بآبائهم وأمهاتهم المسنين والمرضى يرمونهم بالمشفى ويغادرون ، وكأنهم عبء يريدون التخلص منه؟!
في تلك الأثناء و في نفس الغرفة المتألمة كان يتم نقل دم لمريض آخر رجل في «أرذل العمر» حيث بدت الصورة أنصع و أكثر برا ، التف حول جسده المرتجف ابنته الشابة واثنان من أبنائه الشباب ، لم يمض كثير من الوقت الذي اقترب من منتصف الليل إلا قليلا ، حتى انحنت ابنته تهمس في أذنه «بابا هلأ بيخلصوا نقل الدم بتحط راسك و بتنام و نحنا الصبح بنجي لعندك لان هلأ عنا كم شغلة» فورا الأب قبض على يدها راجيا البقاء و عدم تركه وحيدا بالقول «بابا بترجاكن لا تتركوني و الله صدري كتير بيوجعني» ، إلا أنه لم ينجح بإقناعهم بالبقاء ، حيث أوصت مرافقة مريض مجاور « هاد رقم تلفوني بالله ديري بالك على بابا و إذا في شي ضروري اتصلي»..
ربما حدث له شي طارئ لم يدر أحد فالكل مشغول بسرير وجع ، و لكن أتى الأبناء في الصباح و كان السرير فارغا .. لقد توفي بعد منتصف الليل بعد أن عانى و لم يكن إلى جانبه أحد كي يراقب وضعه ، و يستدعي الممرضين في حال حدوث طارئ.
للأسف .. قالها أحد النزلاء المرضى للابن الذي انزوى باكيا، «خسرتوا برا لوالدكم، بس ساعتين، كنتم نلتوا البر لمن رباكم صغارا يا خسارة.. بس ساعتين»..
على سرير وجع آخر في منزل زرته لعيادة مريض شارف الثمانين من العمر ، هي أمراض شيخوخة و عجز لجسد و قلب و روح صارعوا الحياة ، تعب وربى وكبر وهم يردون الجميل الآن عناية وبرا ودعما جسديا ونفسيا ، حول سريره المثقل بالألم و التائه في بحر من النسيان لزهايمر تسلل إلى عقله ، كل التدابير الاحترازية تحيط بسريره لانقاذه في حال طارئ حدث ، و مناوبات الأبناء و البنات تشغل مساحة الليل والنهار تراقب حالته و تقدم له الدواء في أوقاته المحددة ، بينما لا تنقطع لمسات الحنان من الأبناء و كلمات الدعم النفسي لأب على حافة رحيل لنيل البر و جني الرضا..
بين البر والعقوق .. و بين الاهمال والعناية .. يتنازع الأبناء الأدوار حسب الضمائر و يقظتها و مخافة الله ، بينما يعاني بعض المسنين جحودا و نكرانا للجميل ، حيث يتذرع الأبناء بضيق عيش وقصر يد وفقر حال ، ويبررون التقصير بكثرة الهموم والأعباء وضيق مساحة بيوت بالكاد تتسع للزوجة والأبناء.
صور البر كثيرة وبالمقابل كثيرة هي صور العقوق و الجحود ، لن نبحث عنها كثيرا بل سنجدها في الشوارع و على الأرصفة ، و سنسمع بوحا حزينا ربما على مقعد في حديقة عامة لمسن يقضي وقته خارجا كي ترتاح زوجة ابنه ، و قد تغدو الصورة أكثر قتامة عند التخلص منه بايداعه دار مسنين ليصير في حيز النسيان ، و في أكثرها جحودا عندما نرى مسنا أو مسنة على الرصيف بلا مأوى تنهش شيب الرأس و تجاعيد العمر وانحناء الظهر جوعا و بردا ووحدة و نكرانا..
منال السماك
التاريخ: الخميس 14-3-2019
رقم العدد : 16931