عيد الجلاء براءة نصر معمدة بتضحيات أحرار الاستقلال.. حفيد المجاهد البطل أحمد مريود:40 شهيداً من العائلة في معركة جباتا الخشب وحدها ضد المحتل الفرنسي

تحتفي البطولة بنفسها ويعتلي المجد قامات الأبطال الذين كتبوا حكاية وطن بتضحياتهم الكبيرة ودمائهم الطاهرة يوم كان الحجر مخيفا وبعض البواريد التقليدية تكاد تكون سلاحهم الثقيل..فمن أي باب من أبواب ملاحم الجلاء نطل في ذكراه الثالثة والسبعين، كي نعبر دروب الحقيقة لنرسم بحبرنا لوحة نضال مريرة خاض تفاصيلها الموجعة الشعب العربي السوري بيقين وإيمان وكرامة ووحدة وطنية..
في ذاكرة الأحفاد لاتزال الشعلة مضيئة لوقائع التاريخ النضالي الطويل ،تحفظها الذاكرة بإتقان وترويها أفئدتهم بحب وأمانة.
في هذه السطور نلقي الضوء على بعض المحطات النضالية من حياة المجاهد البطل أحمد مريود الذي تربّى على الفضيلة في مناخ وطني مشبع بالمروءة والغيرية من بيت أبيه وعشيرته ذات التاريخ الأصيل والمشرف أبا عن جد. حيث يذكر في هذا الإطار السيد محمد مريود أحد أحفاد المجاهد البطل أحمد مريود ، كيف استطاع جده أن يبني مع المحيط والجوار علاقات متينة على المستوى الوطني والاجتماعي العربي،فأثناء حصار الأتراك الجائر للبنان كان الجد أحمد مريود يأخذ القمح من حوران ويحاول إيصاله بشتى السبل إلى لبنان رغم كل الصعوبات اللوجستية للتخفيف من متاعب الحصار حيث يساعده في نقله إلى هناك أناس يشاركونه الهم الوطني مثل أدهم خنجر وجماعته،الأمير عادل أرسلان وجماعته،شكيب وهاب وجماعته وغيرهم ،ما ساعد على تخفيف الحصار بشكل كبير عن الشعب اللبناني.
وعد وعهد
ويضيف الحفيد قائلا:حين جاء غورو بإنذاره محاولا دخول سورية، بعث الجد أحمد مريود إلى وزير الحربية يوسف العظمة وقتذاك برسالة تم الاتفاق بموجبها على قطع وعد بمنع الفرنسيين اقتحام الجولان وكامل المنطقة الجنوبية بالتنسيق مع جميع ثوار المنطقة وان يقوم وزير الحربية ومن معه بحماية الشام.
حاول الفرنسيون اقتحام الجولان عن طريق لبنان فتم إفشال الهجوم بخوض معركة كبيرة كانت لصالح الثوار.فقرر المستعمر الفرنسي تغيير هجومه باتجاه ميسلون نتيجة خيانة ومساعدة بعض العملاء .وبالتالي أخذت المعركة ضد الفرنسيين تتوسع باتجاهات مختلفة على كامل الجغرافيا السورية.
ولطالما كان لدى المجاهد احمد مريود ما يشبه الجيش المصغر من خلال شبكة علاقاته التي بناها مع مجموعات موصلي القمح إلى لبنان فقد كان يستعين بهؤلاء وما يملكونه من سلاح في خوض معاركه ضد الغزاة الفرنسيين، فهو كان بالأساس أحد أعضاء جمعية الفتاة والعربية لمناهضة الحكم التركي حتى إنه أول من رفع ورفاقه راية التحرير في العاصمة دمشق وكان لهم دور كبير في إسقاط الحكم التركي ،لافتا الحفيد محمد أن أجداده لهم نَفَس بطولي ثابت في معركتهم ضد الاتراك منذ عام ١٧١٠.فقد أسس جده موسى والد أحمد مريود الذي كان قاضيا أيام الاتراك لمنطقة قطنا والقنيطرة جريدة أسماها الجولان لفضح أساليب الاستعمار التركي لأن الأتراك كانوا يعملون بنفس ماسوني ضد الأمة العربية.
لعبة القدر
استطاع الأتراك بعد معارك طويلة وكبيرة الإمساك بالمجاهد الجد أحمد مريود عن طريق بعض التابعين لهم هو ورفاقه من شهداء ستة أيار الذين تم اعدامهم في دمشق، فيما هو تم أخذه الى لبنان لتنفيذ حكم الاعدام هناك مع شهداء ستة أيار في بيروت،لكن حكمة القدر أنقذته من حكم الإعدام كما يقول الحفيد محمد ،نظرا لوجود قاض كان صديقا لوالده في لبنان وان رجله المكسورة كان قد عالجها في بيت جده أحمد مريود.فنصحه القاضي حين يسأله الأتراك عن اسمه ،أن يقول أن اسمه»أحمد خريوش.. تاجر جمال» فسجن خمسة أشهر وأطلق سراحه ،فيما تم اعدام رفاق الجهاد في ستة أيار الذي أصبح عيدا للشهداء.
ومن محطاته النضالية وبعد أن بغى المحتل الفرنسي في أرجاء سورية قام المجاهد أحمد مريود بالتواصل والتنسيق مع ثوار الغوطة على نطاق واسع فنسج علاقات اجتماعية بدافع وطني مع المعارف والعلماء لتقديم العون والمساعدة بالمال والسلاح للثوار ،ما ساعد كثيرا على تأجيج النضال والثورة ضد الطغاة الفرنسيين.
كما تم التنسيق والتواصل مع المجاهدين سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي قائد الثورة في الساحل السوري ومع ابراهيم هنانو في الشمال،ومع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر.وعلى الصعيد العربي كان التواصل مع الشاعر أحمد شوقي..وغيره من الأحرار الوطنيين في البلدان العربية.
هذا التواصل والتنسيق المحكم مع كبار الثوار والمجاهدين في كل بقاع الوطن كان له دور كبير في إشعال جذوة الثورة والرفض الحاسم لوجود المحتل الفرنسي.
وكما أن الثوار لم يدعو المحتل يهنأ في احتلاله..كان جنود الاحتلال يمارسون كل أساليب الضغط والملاحقة بحقهم مااضطر المجاهد أحمد مريود الذهاب الى امارة شرق الاردن كما يروي الحفيد محمد ،وحين استلم رشيد طليع الحكومة في الإمارة عين أحمد مريود معاون رئيس ديوان العشائر، ورغم استلامه لأربع وزارات تقريبا فيما بعد .بقي شغله الشاغل تطوير واقع الحال في سورية ،حتى أنه بعث برسالة إلى غاندي أعرب فيها عن مساندة أحرار سورية إلى الشعب الهندي ،حيث قرأ غاندي الرسالة أمام جمهوره شاكرا لأحرار سورية موقفهم الداعم والمساند لشعب الهند الصديق.
اختراق موكب غورو
ومن النقاط المضيئة في محطات النضال الوطني في ذاك الوقت ماذكره عن المجاهد أحمد مريود حين علم أن الجنرال غورو سوف يزور القنيطرة يوم 23 حزيران من عام 1921حسب ما أخبره «علي زلفو» أحد الأغوات الشرفاء الذين يعملون سرا لصالح الوطن والثوار الذين يرفدونهم بالمعلومات المناسبة عن تحركات جنود المحتل الفرنسي .فكان طلب المجاهد مريود من علي زلفو تأمين لباس عسكري لأربعة او خمسة جنود فرنسيين.فكان له ما أراد، تنكر الثوار بلباس الجنود الفرنسيين مخترقين منطقة «الشوكتلية».
وحين مر موكب غورو المؤلف من سيارتين تمكن الثوار من قتل من كان في السيارة الاولى وهو برتبة كولونيل فيما غورو كان في الثانية برفقة الرئيس خالد العظم... حيث اصيب غورو اصابة بليغة في يده حتى أكد انها قطعت.وحين علم الفرنسيون عن طريق الوشاية أن البطل علي زلفو له يد في هذا الواجب الوطني وتحقيق رغبة الثوار ..حيث بقي علي زلفو تلك الشخصية الوطنية التي لم ينصفها التاريخ تعمل من خلف الكواليس لنصرة الثوار وأبناء الوطن.
هذه الحادثة أثرت على مستقبل غورو وأسقطته نهائيا في حسابات الربح والخسارة وحتى مشروع الحملة..إذ كيف لبدوي او انسان عادي بنظرهم أن يخترق موكب غورو وهو المخطط العسكري.
عينه على الوطن
كانت عيون المجاهد أحمد مريود ترصد كل تطورات الحراك الشعبي ضد الغزاة فعاد إلى سورية مخبرا الزعيم سلطان باشا الأطرش وأدهم خنجر القادم من جنوب لبنان بخطط تصعيد النضال ضد الفرنسيين ، وما إن تم اعتقال المجاهد أدهم خنجر وإعدامه في السويداء حتى أطلق الثوار صيحة المروءة في الجبل الأشم ،وانتفض الأهالي ملبين النداء فأخذوا يبيعون من أثاث منازلهم لشراء ما تيسر من السلاح للدفاع عن حق الوطن والمواطن.
هذا وبعد خوضه لمعارك عديدة مع سلطان باشا الأطرش ورفاقه الثوار في أكثر من مكان..كانت عيون الفرنسيين تلاحقه مع زملائه،ونظرا للضغط المستمر علية عاد أحمد مريود مرة أخرى إلى إمارة شرق الأردن ،ليجاهد ضد الإنكليز في منطقة خانقين.وحين سمحت له الظروف مقابلة الملك فيصل قرر العودة إلى سورية مباشرة فوعده فيصل بألف فارس وماعليه الا ان يتمهل لبعض الوقت لكنه رفض التأخر حتى لأيام وليس لشهر قائلا له»سوف أذهب إلى سورية لأجبل هالدمات بهالترابات.»حسب ما ذكر في الذاكرة الشعبية .تواصل مريود مع ثوار الغوطة واتفقوا على ما يجب العمل عليه ،بعدها ذهب الى جباتا الخشب واجتمع بالأمير عادل أرسلان وشكيب وهاب لتضييق الخناق على تحركات الفرنسيين وطردهم من البلاد.
علم الفرنسيون بأن الثوار يعيدون ترتيب وتنظيم صفوفهم وتعبئتهم الميدانية بشكل أكبر ، فيما خبر الثوار بخطة العدو وحملته الكبيرة ضد جباتا الخشب. لكنهم لم يدركوا بشكل دقيق من أي جهة سوف يعبرون المنطقة عن طريق لبنان أم عن طريق القنيطرة .فقامت مجموعة عادل أرسلان المؤلفة من ٧٠٠ فارس بالتمركز في منطقة حضر.وحطت مجموعة المجاهد أحمد مريود وقوامها من الأقارب ٥٠٠ فارس في بيت جن.وتمركزت مجموعة شكيب وهاب بعدد ٥٠٠ فارس بمنطقة مجدل شمس.هذا التكتيك في التوزيع يأتي حفاظا على القوة البشرية والتي تضم حوالي ٨٠ من كبار قادة الثوار في تلك المنطقة والغوطة الشرقية.
قصف العدو الوحشي
باغتت الحملة الفرنسية بعدد جنودها الـ٥٠٠٠في عبورها طريق القنيطرة وأخذ طيران العدو يقصف جباتا الخشب بالطائرات.تصدى الثوار والمجاهدون ببسالة للقصف الوحشي رغم انقطاع طرق الإمداد واستشهاد الكثير من الثوار ،فمن عائلة احمد مريود لوحده ٤٠ شهيدا، وأكثر من ثمانية من القادة الكبار من بينهم شكري العسلي.استمرت المعارك ضد الفرنسيين بما يشبه الاستنزاف ،وعندما نفد سلاح الثوار قاتلوهم بالسيف.
ويذكر الحفيد محمد مريود ان معركة جباتا كانت من أكبر معارك المنطقة ضد الفرنسيين حيث استشهد فيها خيرة الأبطال والقوات من الغوطة والقنيطرة ودرعا وعدد من المناطق الأخرى،لافتا أن من قتل جده أحمد هو شخص سوري خائن لنفسه وبلده تم شراؤه بالمال الرخيص.حيث أخذ الفرنسيون المجاهد أحمد مريود ورفاقه الكبار من الثوار الى ساحة المرجة وتم تعليقهم على أعواد المشانق لكي يتربى أهل الشام كما زعموا .
لكن أهل الشام لم يأبهوا للتهديد والوعيد فقاموا بوضع الزهر والورد على جثامين الشهداء وأطلقت حناجرهم تلك الأغنية المشهورة:
زينوا المرجة ..والمرجة لينا
شامنا فرجة..وهي مزينة.
رفض أهل الشام دفن جثمان الشهيد أحمد مريود كما كان مقررا في جباتا الخشب وأصروا على دفنه في مقبرة عاتكة في دمشق فهو ورفاقه على امتداد ساحة الوطن ملك لكل السوريين.
ويذكر اخيرا الحفيد محمد مريود أنه حين تآمر الأتراك على قبيلة المهيدات التي ينتمي إليها احمد مريود عام ١٧١٠ وقتلهم للجد نزحوا على اثرها من الاردن في رحلة تشتت للقبيلة حتى وصلوا عبر مسار طويل إلى السويداء بعدها إلى شقحب، دربل، لبنان ،ومن ثم جباتا الخشب، فصلة القربى متصلة مابين سورية ولبنان وفلسطين ومصر ،ما جعل العائلة والعشيرة تحمل الصفة الوطنية متعددة الأعراق الأصيلة في انتمائها الوجداني والإنساني المتجذر في حب الوطن.
غصون سليمان
التاريخ: الخميس 18-4-2019
رقم العدد : 16960


طباعة