بعد 27 عاماً على ترك المدرسة... امرأة في الأربعينيات تحصل على شهادة التعليم الأساسي


من الصفر إلى النجاح قد تكون قفزة واحدة, وقد تكون قفزات متباعدة مترددة خجولة ولكنها متى كانت فهي تمثل بجوهرها قصة نجاح لأشخاص عبروا المركب وسبحوا في الأعماق..
حكايات النجاح في سورية لا يمكن حصرها أبدا, وفي محافظة طرطوس أيضا لها حضورها..فكانت الإرادة العنوان الأقوى للكثير من الحَكايا.. ولم تكن النساء في منأى عن الحضور فكانوا الجرس الرنان في كل بوح..
ولهذا كان للثورة الحوار مع السيدة مجدولين محي الدين معنا مواليد 1977لتسرد لنا حكايتها مع الارادة والنجاح بعد مرور 27 عاما على تركها للدراسة وزواجها وانجاب الأولاد..
• بدايةً من أنت وكيف بدأت الفكرة ومن شجعك ؟
•• لست سوى أم ككلّ الأمهات واجهت ظروفا قاسية لكن لم ينتبني اليأس يوما رغم مرور فترة زمنية طويلة وحققت حلمي الذي لم يتوقف عن النبض أبدا لا مع أبنائي ولا مع ذاتي في تحقيق ما أصبو إليه, إلى أن سنحت لي الفرصة لأعود للحياة من جديد..وأفتح بيدي أبواب الحياة المشرعة على الأمل.. ويمكن أن أصف بدايتي بحكمة وضعتها دوما أمامي هذا العام فكانت عنواني «أخبروا تلك الأبواب التي أغلقت بوجهي بأنني سأعود وأشتري المبنى»..
بهذه العبارة بدأت قصة نجاحي فبعد أن تزوجت سنة 1991 وأنجبت /4/ ابناء كانوا الهمّ الأول، والحضن الأكبر، تابعتهم بدراستهم فتخرجت الأولى من كلية الهندسة التقنية العام الماضي, والثانية في سنتها الرابعة لنفس الكلية ونفس الاختصاص, والثالث حاليا في الشهادة الثانوية, أما الرابع والأخير فهو في الصف الثالث الابتدائي والذي كان عونا لي في دراستي للشهادة الاعدادية ودائم المتابعة لي في الحفظ والكتابة رغم صغر سنه..
• كيف تأقلمتِ مع الكتب ومع الواقع السلبي معا ؟
•• من البيئة الزراعية القاسية انطلقت.. الواقع الذي مررت به كان صعبا للغاية عملت خلال الاعوام الماضية بكل جهد لأنجح في هذه الحياة.. فكانت البيئة الزراعية في قريتي يحمور هي السبيل الأكثر اتجاها لإعانة عائلتي..
وبعد أن أوصلت أبنائي الى مرحلة متقدمة.. بقي ايماني بحلمي الذي سيتحقق يوما ولم يتوقف أبدا فحققته عبر أولادي ثم التفت الى طموحي الذي كان في انتظار الوقت المناسب، إلى أن شاءت الظروف ليكن طريقي هو رسالة أعبر بها الى النجاح.. الذي بدوره لا يمكن أن يتسلح بعمر معين وبرأيي يبقى كل عمل هو نجاح..
من زواج ناجح إلى تربية أولاد, وفي هذا العام كان عملي الأول هو الدراسة للشهادة الإعدادية فكانت الكتب تتحدث معي بلهفة العاشق حقا..وكان لكلماتها وقع لحن يعزف بمفرداتي.. بمحبتي للكتب والمطالعة الدائمة..
لا يمكن أيضا نسيان الطاقات السلبية والانتقادات المحيطة بي من كل الاتجاهات.. كجمل عدة تعكس احباطا لهزيمتي..
« ولو.. أنت جدّة وبهذا العمر وتريدين الدراسة..؟»
«ولو.. لماذا لا يلزمك المال..ولا الوظيفة ؟»
وأسئلة كثيرة لا حصر لها لكن لم يهمني أي كلام..وتابعت المسير وهنا أقدم شكري لجميع من وقف معي ومن وقف بوجهي أيضا هذا سجل بمجمله دافعا أكبر للمثابرة والنجاح..
• برأيك كيف يمكن أن تحصل المرأة على النجاح في الحياة خاصة بوجود الزوج والأولاد ؟
•• لا يمنع الزواج أبدا أي نجاح فكان المثل الأول بناتي حيث تزوجن في السنة الثانية من الجامعة ولم يتوقفن ولا سنة رغم وجود الأبناء.. أما زوجي فكان له دور كبير أيضا في مساعدتي رغم أنه أميٌّ.. حيث وجد في داخلي روح النجاح من خلال أبنائي ومقدرتهم في الحصول على الشهادات العالية.. لم يعارضني أبدا وكان عتبه الأول عليّ في التأخر عن الدراسة فقط..
ويمكن أن أقول: الانسان الطموح والمؤمن بنفسه هو قادر دوما.. ولا تؤثر عليه أي بيئة من حوله فهو يخلق الجو المريح بإرادته وعمله.. ولا يحلو طعم النجاح إلا بالمغامرة, التعب والتحدي , أما الثقة بالنفس فهي تشكل نصف النجاح..
• حدثينا عن شعورك أثناء تواجدك بين الطلاب..؟
•• روايات كثيرة حصلت معي أثناء ذهابي لتقديم امتحان الشهادة الاعدادية أهمها كان نظرات الاستغراب من حولي بعضها مضحك وبعضها مبك.. لم أتوقع أن تمر هذه المرحلة بسلام دون انتقادات وكلام جارح من هنا وهناك..ولكن بقيت مصممة على النجاح مستغلة كل دقيقة لا بل كل ثانية لأصل..
لم أشعر هذا العام أنني أمّ وجدة معا.. وكان شعوري دائما أنني بعمر طلاب الشهادة الإعدادية وحصلت على درجة /175/ بلا مساعدة أحد..فكانت بنظري هي العلامة الكاملة..
• إلى من تهدي نجاحك، وما هو طموحك, ومن سنجد بعد ثلاث سنوات..؟
• أول من بشرني بالنجاح هو ابني, وعند تلقي الاتصالات الكثيرة بالتهنئة لا يمكن أن أصف فرحتي التي تعادل كل نجاح وأعجز عن نطق وصفها بالكلمات فمنذ البداية لم يكن لدي قدوة سوى أبنائي وذاتي التي تحديتها لأصل وأهدي نجاحي لنفسي أولا ولكل من وجد في داخلي حلماً يريد إكمال المسير.. حلمي لن يتوقف وسأكمل الطريق بعون الله فلا معنى لنجاحي اليوم إن لم أكمل الطريق.. وسأجد فيما قدمت ربما رسالة يمكن أن أكملها لاحقاً.. بغض النظر عن الوظيفة أو الماديات يبقى النجاح قيمة معنوية محسوسة وغير ملموسة..
في الختام.. يمكن القول: ان تكون نفسك هو أعظم تحد في الحياة، في الوقت الذي يحاول العالم جاهدا ان تكون نسخة من اشخاص آخرين.. لا أن تقدم سوى المألوف، تبقى الارادة هي وحدها التي تسجل الأهداف في وقت عكف الكثيرون عن المتابعة والتحجج الدائم بالظروف..
ويبقى افضل انتقام للذات هو النجاح الساحق مهما عاندتنا الحياة..
بشرى حاج معلا

التاريخ: الأربعاء 28-8-2019
رقم العدد : 17058