الحد من الفقر والبطالة.. تأمين الاحتياجات .. رفع العقوبات أحادية الجانب.. أولويات سكانية على طاولة النقاش مع اللجان الفرعية للمحافظات

 

 

تعثرت المهمات الخاصة بالقضايا السكانية خلال تسع سنوات مضت نتيجة الحرب على سورية بعد أن كانت الأمور السكانية قد شهدت تحولات نوعية من حيث التركيز على البعد الاجتماعي والاقتصادي في عام 2000 وعليه كان هناك ضرورة ملحة لتحديث الأوراق السكانية وفقا للظروف المستجدة بما يتوافق مع الواقع السكاني في المحافظات وخصوصية كل منها، لوضعها ضمن دليل تنموي متكامل يحدد فيه أولويات واحتياجات كل منطقة، تشمل حقوق الأفراد على المدى القريب والبعيد ليتم العمل على هذه الملفات ضمن برنامج سورية ما بعد الحرب.
مقاربة جديدة
بهذا الخصوص تحدث رئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان الدكتور أكرم القش خلال لقاء حواري نظمته الهيئة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان دعت إليه اللجان الفرعية للسكان في كل محافظة لمناقشة أبرز المشكلات لديهم وفقا لدراسة واقعية وبيانات إحصائية، مبينا التحديات والأولويات التي تواجه المسألة السكانية محلياً في ضوء مؤتمر القاهرة الدولي للسكان والتنمية الذي عقد عام 1994 وخاصة الظواهر الاجتماعية التي أفرزتها الحرب الإرهابية على سورية وما شكلته من فجوة في المؤشرات السكانية، ولاسيما ما يتعلق بالتسرب المدرسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي (الزواج المبكر وحرمان المرأة من التعليم) وصعوبة الحصول على خدمات الصحة الإنجابية في بعض المناطق..
وأكد القش على أربعة محاور ناقشها المشاركون في المقاربة الجديدة للمسألة السكانية والتي تركز على الحد من الفقر وحقوق الأفراد من حيث الاحتياجات والمتطلبات، والتعرف على الفجوات المتعلقة في كل محافظة من خلال اللجان الفرعية التي تمثلها، ووضع البرامج المناسبة لعلاجها بما يتطابق مع عمل الهيئة في برنامج سورية ما بعد الحرب وبنفس الوقت من أجل التنمية المستدامة بما يتناسب مع الأجندة الدولية، في إشارة إلى أن مشاركة سورية في مؤتمر نيروبي هي جزء من عمل الهيئة، وما تم طرحه مع ممثلي اللجان الفرعية لكل محافظة سيكون جزءاً من الورقة الوطنية السكانية في المرحلة القادمة، مضافا إليه ما تم انجازه من عام 2014 حتى اليوم.
تحضيراً لبرنامج متكامل
تتقاطع المشكلات بين جميع المحافظات السورية من حيث خطوطها العريضة مثل الفقر والهجرة وملف المسنين والبطالة، ولكن يبقى لكل محافظة خصوصيتها، بين الدكتور عمر بلان الممثل المساعد لصندوق الأمم المتحدة للسكان في سورية أن هذه الأولويات تسهم في إغناء النقاش حول المشكلات السكانية وتدعم عملية التحضير للبرنامج الاستراتيجية للأمم المتحدة في سورية في السنوات القادمة، كما أنها تسهم بإعداد الالتزامات التي تقدمها سورية في مؤتمر نيروبي لتحسين أوضاع السكان.
وقال: نحن في سورية عملنا منذ البداية على دعم القطاع الصحي والتعليمي وإعادة الإعمار ودعم مهارات النساء والرجال ودعم سبل العيش ليكون ذلك مدخلا لزيادة الانسجام واللحمة الاجتماعية، بالتعاون مع الجهات الرسمية الوطنية وفقا لمحاور تركز على تمكين وصول النساء لخدمات الصحة الإنجابية بجودة عالية ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي وتعزيز مهارات الشباب ودعم المؤسسات الحكومية في جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالسكان والتنمية.
مؤشرات سكانية

 

 

وأشار مدير السكان في الهيئة وضاح الركاد أن سورية حسنت المؤشرات التنموية بشكل نوعي حتى عام 2010 إلا أن الحرب أثرت على انجازات المسألة السكانية. موضحا أبرز التطورات الديموغرافية التي صارت بين عام 1990 حتى عام 2010 ومكوث المؤشرات السكانية نتيجة الحرب التي أدت إلى ارتفاع معدل وفيات الأطفال إلى 23 بالألف بشكل تقريبي، وارتفع معدل وفيات الأمهات إلى 52 حالة وفاة لكل مئة ألف ولادة، وتراجعت بعض المؤشرات المتعلقة بالخصوبة وتغير النمط الإنجابي لدى المرأة بسبب تعويض الفاقد أو الزواج المبكر الذي أثر بشكل كبير على موضوع الخصوبة.
ولفت الركاد إلى أن عدد سكان سورية المعلن في مركز الإحصاء هو 21.2 مليون نسمة والناتج عن المسح الديموغرافي الذي شمل 15 محافظة مع تقدير المحافظات التي هي خارج المسح بحسب المجموعة الإحصائية للمكتب المركزي للإحصاء لعام 2018 مشيرا إلى العديد من التحديات السكانية التي ظهرت نتيجة الأزمة من حيث التشغيل والتعليم وجودة الصحة ومؤشرات أخرى تتعلق بالكثافة والتوزيع الجغرافي للسكان والضغط على الخدمات في بعض المحافظات، وظاهرة الزواج المبكر وارتفاع نسبة المسنين. وغيرها من مشكلات تمت دراستها ليتم إدخالها في سياسات وبرامج عمل خاصة بها والمخطط لها حتى عام 2030.
الهجرة والطلاق
منذ ثلاث سنوات أعادوا تفعيل اللجنة الفرعية للسكان في المحافظات وكانت البداية مع ثلاث محافظات، وهي طرطوس وحمص والسويداء وعليه تم إعداد دراسة حول أبرز المشاكل التي تعيشها هذه المحافظات، فقد أشار ممثل اللجنة الفرعية للسكان في السويداء إلى أن الطموحات والصعوبات التي تتم مناقشتها في الورقة السورية حاليا هي تمهيد للتقرير الذي سيقدم في مؤتمر نيروبي للسكان لتحقيق أهداف المؤتمر السكاني القادم.
وبين أن أبرز المشكلات التي تعيشها محافظة السويداء حاليا والتي تشكل العصب الأساسي للمشكلة الديموغرافية، هي الهجرة بشقيها الخارجية والداخلية، إلا أن الهجرة من الريف إلى المدينة عكست أثارها السلبية على باقي المناطق في المحافظة وأدى ذلك إلى تفريغ الريف من محتواه ونقص في الخدمات والبنى التحتية فهناك 56% من السكان يتواجدون في سبع تجمعات في المحافظة بينما 44% منهم يتوزعون على 168 تجمعاً. بينما تتمثل المشكلة الثانية في ارتفاع نسب الطلاق والذي وصل إلى نسب يخشى منها فكل حالتي زواج يقابلهما حالة طلاق. وهناك مشكلة كبيرة مع التعامل الواسع والسلبي للانترنت من قبل غالبية الأسر والأبناء والتأثيرات التي تسببها حالات الإدمان عليه.
تبدلات مادية واجتماعية
العناوين التي طرحت للنقاش تناولت كل الشرائح الاجتماعية في المحافظات وقد أكد كامل رمضان مدير الشؤون الاجتماعية والعمل بمحافظة حماه على وجود تبدلات كبيرة في البنية السكانية للمحافظة بسبب الحرب والهجرة من الريف إلى المدينة ومن محافظات أخرى والضرر الكبير الذي لحق بحياة الأسر من الناحية المادية نتيجة الخسائر الكبيرة لممتلكاتهم وتغير العادات
والتقاليد والأحوال المعيشية.
وأشار رمضان إلى ضرورة إحياء اللجنة الفرعية للسكان وإعادة الحيوية لفريق العمل الموجود فيها، الذي يضم ممثلين من الصحة والتعليم والأوقاف والشؤون الاجتماعية والمجتمع الأهلي ليعملوا جميعا ضمن الآلية التي كانت موجودة قبل الأزمة ويأخذ كل منهم دوره في تشجيع الأهالي للعودة إلى قراهم بعد أن تم تحريرها وإعادة تأمين التعليم بعودة المدارس وتأمين النطاق الصحي بعودة المستوصفات، والفرق الطبية الجوالة. منوها إلى ضرورة العناية بجيل الشباب للتخفيف من الآثار السلبية لاستخدام النت ووسائل التواصل الاجتماعي وتعاطي المخدرات وحالات التشرد والعنف الأسري والحالات المتعلقة بكثرة تعدد الزواج وتعدد الأطفال ضمن الأسرة الواحدة.
وأوضح رمضان أن هناك حالات تحتاج إلى علاج كبير نتيجة الفقر الذي هو سبب مباشر لكل المشكلات، لأن الشخص الذي تهجر خسر كل ما يملك فكانت أولى مشكلاته هي البحث عن العمل وتأمين مورد رزق، وأياً كانت الخدمات المقدمة حاليا هي بالحد الأدنى نتيجة الغلاء المعيشي الفاحش، والتي ترافقت مع ظاهرة وجود عدد كبير من الأطفال في الأسرة الواحدة.
ويرى أن أهم ما يجب العمل عليه هو عودة الأسر إلى أماكن سكنها وتأهيل منازلهم وتأمين مستلزمات الحياة لهم وتشجيع العودة إلى الزراعة من خلال دعم هذا القطاع من محروقات ومستلزمات إنتاج.
تأمين البنى التحتية والمعيشة
وتحدث مدير التنمية الإدارية في محافظة حلب محمد زهران عن مشكلات كثيرة تعاني منها محافظة حلب من حيث القضايا السكانية، أهمها إعادة السكان النازحين إلى بيوتهم وقراهم فهناك حوالي60% منها داخل السيطرة لكنها بحاجة لاهتمام في آليات إعادة توطين الناس في مواطنهم الأصلية. فمن المهم تأمين جميع المستلزمات الحياتية والبنى التحتية لكي نساعد بعودة السكان إلى قراهم فعودتهم تحتاج إلى بحث ودراسة وتأمين الكهرباء والماء والأدوات التي تساعد على تأمين موارد رزق جديدة بعد أن خربت بالكامل.
وأشار زهران إلى أهمية مناقشة آليات التنفيذ لحل المشكلات المطروحة وإيصال الخدمات المركزية إلى القرى المجاورة وبخاصة العمل على إيجاد مراكز خدمة مواطن مصغرة في كل منطقة والعمل ضمن ورش عمل بآليات ومعدات لكي يقتنع المواطنون بالعودة إلى بيوتهم، كما أنه لابد من تأهيل المدارس لكي يعود الطلاب إلى التعليم والحد من نسب التسرب التي سجلت أرقاما كبيرة في محافظة حلب وريفها، منوها أن كل ما يتعلق بحلب يعتبر أولويات ولابد من استمرار العمل لحلها.

ميساء الجردي
التاريخ: الاثنين 14-10-2019
الرقم: 17097