التنمّر.. بين إنكار المجتمع وعدم تشخيص الحالة


بعض الأطفال يَنتهجون سلوكاً يبدو غريباً بالنسبة لأقرانهم وللأهل أيضاً، لكن مُعظم الناس لا يستطيعون تشخيص أو تفسير ذلك السلوك الذي يَحمل عدوانية ظاهرة تجاه الآخرين، فيما يصف العِلْم هذه الحالة بالتنمّر، والتي تشمُل الكبار أيضاً سواء في أماكن عملهم أم مُحيطهم الاجتماعي.
فالتنّمر يُمثّل حالة من الإساءة والإيذاء والانتقاص من قيمة الأشخاص، ويتمّ ذلك عبر التعرّض لفرد أو مجموعة تكون أضعف جسدياً أو اجتماعياً، وهو سلوك يُعبِّر عن خللٍ في ميزان القوى بالنسبة لطفل ذي قوة أكبر أو لمجموعة تعتدي على مجموعة أخرى.
سلوك عدواني.. وحاجة لتصويب التصرفات
أنس عبيد بائع ملابس ذكر أنه لم يسمع بالتنمّر من قبل، وتساءل إن كان الموضوع يتعلّق بمرض جلدي يُشبه النمر، فيما بيّنت نور الخالد التي تعمل بمركز تجميل أنها قرأت عن هذه الحالة في الصفحات الطبيّة والمنوّعة، لكنها لم تتوقّف عند تفاصيلها ولا تعرف إن كانت مرضاً نفسياً أم عصبياً.
أما رأفت حسين موظف بقطاع عام فيرى بأن التنمّر يُمثّل حالة اجتماعية عدائية تنتشر في الدول الغربية، ومجتمعاتنا لا تُعاني من هذه الحالات بسبب الروابط الأسرية والاجتماعية.
رياض سالم مدرس لغة عربية أوضح أنه واجه حالتين من هذا النوع في مدرسته، واعتبر مدير المدرسة السلوك العدواني للطالبين نهجاً فردياً يستوجب العقاب، لكن مُتابعة رياض لتفاصيل سلوك الطالبين أوصله لنتيجة تُفيد بأنهما يُعانيان من التنمّر، وهو ما يستدعي التواصل مع الأهل ومُعالجة تلك الحالة بطريقة علمية وتربوية.
ربى صالح موظفة بشركة حوالات تحدثّت عن تجربة ابنها الذي لاحظت عليه سلوكاً عدوانياً في المنزل والمدرسة، ونوهت أنّ أول ما لفت انتباهها هو الغضب غير المُبرّر واستخدام القوة لدى ابنها تجاه الآخرين وهو في الصف السادس، حيث كان ابنها يُسيء فهم أفعال الآخرين ويعتبرها معادية، وتحوّل سلوكه بشكلٍ مُتسارع إلى نمط عدائي في التعامل مع الزملاء وأفراد الأسرة، ثم نصحها أحد الأقرباء بمُراجعة طبيب نفسي أو اختصاصي اجتماعي، وترددت ربى في البداية لأنها لا تريد تصديق بأن ابنها يُعاني اضطراباً نفسياً أو سلوكياً، ومع استمرار الحالة لديه، بدأت رحلة علاجه والتي تركّزت على الاندماج الاجتماعي وتنمية الهوايات والاختلاط الإيجابي في المجتمع، وهو الآن لا يعاني من سلوكه العدائي.
الاختصاصي الاجتماعي محمد يوسف أوضح أنّ التنمر يظهر من خلال الإكراه أو التحرّش الفعلي والاعتداء البدني وذلك لإجبار الآخرين عن طريق التهديد، وقد عرّف العمل السلبي على أنه تَعمّد شخص إصابة أو إزعاج آخر من خلال الإيذاء الجسدي أو التفوّه بكلمات مُسيئة، مشيراً إلى أن التنمّر سلوك عدواني للإضرار بشخص آخر جسدياً أو نفسياً بهدف التفوق على الآخرين، ويظهر ذلك في المدارس وأماكن العمل من خلال الايذاء اللفظي، وفي المنازل ويظهر ذلك عبر (الدفع - الخدش - العض - رمي الأشياء - الصفع -الطعن - شد الشعر).
مشكلة لا ينبغي الاستهانة بها
وأضاف أن التنمّر مشكلة شائعة يجب التعامل معها وعدم الاستهانة بها، وإذا اعتقد الأهل تعرّض أحد أفرادهم للتنمّر فعليهم التحدث معه وإشعاره بالراحة، مبيناً أهمية الحصول على التعليم والتدريب، إضافة إلى تثقيف الأطفال والمعلمين والوالدين بطبيعة التنمّر، وكيفية فهم السلوكيات التي تُعتبر تنمّراً، ومن المهم عدم مواجهة الشخص المتسلط فهذه طريقة خطيرة، لذلك لا بد من اللجوء إلى استشاريين وإداريين لتطوير علاج التنمّر، وبما أن تدنّي احترام الذات يميل إلى أن يكون عاملاً خطراً في أن يُصبح الفرد ضحية للتنمّر، فتعزيز الثقة واحترام الذات هي طرق مُهمّة للحد من خطر التعرض للتنمّر، وكذلك للمشاركة في الأنشطة التي يمكن أن تُحسّن من ثقة الفرد واحترامه لذاته وقوته العاطفية، كالأنشطة الرياضة أو الموسيقية.
خليل أبو زيد باحث اجتماعي له تجربة مع التنمّر، يؤكد أن الكثيرين يعتقدون أن التنمّر يقتصر على السلوك العدواني الجسدي، بينما هنالك ما يسمى بالتنمر الاجتماعي من خلال الإساءة إلى سمعة الشخص ونشر الإشاعات، أو تعمّد تحقير وإحراج الآخرين، والتنمّر على الانترنت بنشر أشياء تسيء لشخص معين وتكرار ذلك السلوك تجاه أشخاص محددين.
وعن طرق مُعالجة هذه الحالة ذكر أبو زيد أنّ الأولوية هي الحرص على تربية الأبناء في ظروف بعيدة عن العنف، وتعزيز عوامل الثقة بالنفس وقوة الشخصية لدى الأطفال، مؤكداً أهمية التوعية والبرامج التعليمية والوثائقية الهادفة وتجنّب البرامج العنيفة، واختيار الألعاب للأطفال التي لا تحمل طابعاً عنيفاً.
هكذا يبدو موضوع التنمّر غير معروف بِكُلِّ تفاصيله بالنسبة لمُعظم أفراد المجتمع، وهو ما يجعل من معالجة هذه الحالة أمراً غير مُتاح ما دام المجتمع لا يمنحه الأهمية المناسبة، ولا سيّما أن الحالة تتفاقم وتترك آثاراً سلبية إذا استمرت مع الشخص خلال مراحل نموه.
نيفين عيسى

التاريخ: الجمعة 1 - 11-2019
رقم العدد : 17112