أربعون سائحاً بدولار

تحت هذا العنوان كتبتُ في هذه الصحيفة قبل ربع قرن تماماً زاوية حول رسوم زيارة متاحفنا، والمتحف الوطني بدمشق خاصة، وعن عدم تناسبها ليس فقط مع أهمية تلك المتاحف وما تحتويه، وإنما أيضاً مع القيمة الفعلية للرسوم ذاتها والتي تجعلها بخسة إلى حد غير منطقي، حيث لم يكن رسم الزيارة للمواطن العادي يتعدى أجزاء الليرة، وينخفض أكثر بالنسبة للطلاب والعسكريين، بينما يرتفع بالنسبة للسائح الأجنبي إلى ليرة كاملة، حين كان سعر صرف الدولار نحو ثلاثة وأربعين ليرة، ما يعني أن الرسم الذي يدفعه (كروب) سياحي كامل لن يتعدى الدولار الواحد.
يومذاك انبرى بعض المتطوعين، والمتطوعات، للاعتراض على ما جاء في الزاوية بحجج أوهى من أن أضيع وقت القارئ بها، كنت قد فندتها في الزاوية نفسها مشيراً إلى أن ذلك الرسم المنخفض لا يشجع السياحة، لأن النفقات الثقافية لا تشكل مبلغاً يذكر بالنسبة لمجمل تكلفة الرحلة السياحية، ولأن المكاتب السياحية التي تستفيد من شهرة آثارنا في العالم تذكر المتاحف التي ستتم زيارتها ضمن الترويج لبرامج رحلاتها، لكنها في أحسن الحالات، لا تُعلم زبائنها بالتكلفة الرمزية لتلك الزيارات، تاركة إياه لتصوراته المستندة إلى رسوم متاحف بلاده، والتي تتخطى رسوم متاحفنا بعشرات المرات. أما بالنسبة للقول بأن هذا جزء من دعم الدولة للعمل الثقافي فإن الواقع يؤكد صراحة أن ذلك الدعم لم يحقق نتائج تُذكر لا في جعل زيارة المتاحف تقليداً ثقافياً اجتماعياً، ولا في انتشار الثقافة المتحفية، لأن تلك المعرفة ببساطة يحتاج تكوّنها إلى معرفة وافية بالحضارات التي أنتجت كنوز المتاحف، تشمل كل ما يتعلق بثقافتها ومعتقداتها ونظامها السياسي وبناها الاجتماعية ومفاهيمها الفلسفية الجمالية، ببساطة تحتاج إلى معرفة كل ما ساهم في تكوين إبداعاتها المادية، وهذا يتطلب أن تدخل تلك الحضارات بشكل جدي في مناهجنا الدراسية، وأن تكون زيارات المتاحف الجانب العملي من هذه المناهج، يوضح ما تم دراسته نظرياً.
لا تكفي الرسوم الرمزية التشجيعية وحدها من أجل دفع الناس لزيارة المتاحف، وإنما يحتاج الأمر إلى معرفتهم المسبقة بما سيرون داخلها، وبأهمية ما سيرون، فالسائح الأجنبي الذي يغريه البرنامج السياحي المتضمن زيارة متحفٍ لا يأتي لاكتشاف ما يضمه هذا المتحف، وإنما ليرى بعينه ما قرأ عنه، أو شاهده في الصور الثابتة والمتحركة، وكم من مرة فوجئ أبناء البلد من المعلومات التي يملكها زائر أجنبي عن أوابد وآثار تحيط بهم، ولا يعرفون عنها شيئاً، أو دهشوا وهم يرقبون بين يديه خريطة سياحية عن بلدهم أحضرها معه من بلده متضمنة وفرةً كبيرةً ودقيقة من المعلومات.
ما يعيدني إلى تلك الزاوية القديمة هو افتتاح المتحف الوطني بدمشق مجدداً بعد سبع سنوات من الإغلاق، مشرعاً أبوابه للزوار لرؤية بعض كنوزه التي لا تقدر بثمن، وإذ أقول بعض كنوزه لأن الجناح الغربي للمتحف لا يزال قيد التجديد، وهو الجناح الذي يضم أقسام ما قبل التاريخ والفن السوري القديم (ومن معروضاته المهمة أبجدية رأس شمرا، أقدم أبجدية في التاريخ، وتمثال أورنينا مغنية معبد مدينة ماري) وقسم الفن الإسلامي، وقسم الفن الحديث، وجناح المعمار الكبير أبوللودور الدمشقي، إضافة إلى جناح قصر الحير الغربي الذي تتم فيه عمليات ترميم الآثار التدمرية وسواها، ورغم أن نصف المتحف تقريباً لم يفتح بعد أمام الزوار، بسبب عمليات تجديده، فإن القسم المفتتح يشكل لوحده متحفاً عالي الأهمية فهو يضم الكثير من القطع الأثرية النادرة، أو المهمة، مثل مدفن يرحاي التدمري المعاد بناؤه في المتحف بعد نقله من وادي القبور، وكنيس دورا أوربوس الذي يضم لوحات جدارية نادرة من الفريسك، وتابوت الرستن الرخامي الذي نحت على واجهته مشهدٌ من حرب طروادة، والنسخة الأصلية من منحوتة جدارية رائعة لعشتار، قامت سورية بإهداء نسخة طبق الأصل منها إلى الأمم المتحدة، تسلمها في احتفال رسمي الأمين العام السابق كورت فالدهايم من الممثل الدائم لسورية موفق علاف، وهي معروضة اليوم في مقر المنظمة الدولية، وصورتها منشورة في موقعها الالكتروني ومطبوعاتها.
الجناح المفتتح أعيد تجديده وفق المفاهيم الحديثة في عمارة المتاحف، وقد لا يمر وقت طويل حتى يتم تجديد المتحف بأكمله، وأرجو أن يطول التجديد مقهى المتحف ليتناسب شكله مع عمارة المكان، ومكان بيع الكتب والتذكارات، فالزوار يقبلون على هذه الأماكن ويوثقون زيارتهم بمشترياتهم منها.
وكذلك رسم الدخول بالنسبة للزوار الأجانب (وهو بحدود الدولار الواحد)، ولن أتناول رسم دخول السوريين رغم أنه لا يزال أقل بكثير من ثمن كأس شاي في مقهى المتحف!!
سعد القاسم
www.facebook.com/saad.alkassem
التاريخ: الثلاثاء 13-11-2018
رقم العدد : 16835


طباعة