إنسان من زمننا

ليس عبد العزيز المصري اسماً معروفاً في الوسط الثقافي، لكن الأمر كان سيختلف كلياً لو فتحت الحياة دروبها أمام أحلامه وموهبته.. وكفاءته..
في صيف عام 1975 كنا مجموعة صغيرة من الطامحين بالدخول إلى كلية الفنون الجميلة نملأ مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية حيويةً، خاصة حين نجدُّ في التدريب فيتغاضى مدير المركز، الناقد القدير طارق الشريف، عن خصائص عمرنا، كنا ننسج الصداقات بسرعة بيننا يملؤنا شعور الزهو بـ (براعتنا) في الرسم، وقد كان معيارها الوحيد رسوم الأميز بيننا، والتي كانت لا تبتعد كثيراً -كما أدركنا فيما بعد- عن نتاج رسامٍ هاوٍ مبتدئ، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي دخلنا إلى قاعة الرسم لنجد شاباً أسمر أنيق الملامح قد انضم إلى مجموعتنا وجلس في ركنٍ قصي يرسم المشهد أمامه بجدية مطلقة، أثار الضيف الجديد فضولنا خاصة وأنه كان يتقدمنا بالعمر من جهة، وأنه من جهة ثانية اختار أن يرسم بقلم الرصاص تمثالاً صغيراً من الجبس الأبيض لحصان دقيق الملامح، وهو أمر كان يتقدم كثيراً على محاولاتنا المقتصرة على رسم أواني الطبيعة الصامتة متباينة الألوان.
بدافع الفضول ذاته تسللنا واحداً إثر آخر وراء كرسيه لنرى ما رسم، وكان الأمر صادماً لأكثرنا زهواً: خطوطاً بارعةً واثقة تنقل بكفاءةِ خبير التفاصيل الدقيقة لجسم الحصان وعضلاته وأجزاء وجهه، كان الرسم لا يزال في خطوطه الأولى، لكنه كان يعلن صراحة عن تفوقه الشاسع على كل رسومنا، وما إن انتهت مدة الدرس حتى كان الجميع يقف مبهوراً متأملاً بمزيج من الدهشة، والإعجاب، والغيرة، رسم الحصان الذي شارفَ على الانتهاء، وكأنه صورة فوتوغرافية كبيرة بالأبيض والأسود، فيما (عبد العزيز) مستمر في وضع اللمسات الأخيرة دون أن يتخلى للحظة واحدة عن جديته وصمته الجليل، منصرفاً كلياً عن الأحاديث التي يفتحها من حوله، وعن تعليقاتهم جميعها، وتُوجت الحالة حين خرج المدير الشريف من مكتبه ليجد الطلاب، على غير عادة، لا يزالون في المركز رغم انتهاء وقت الدرس متجمعين خلف لوحة الطالب الجديد، فقال ساخراً: أهي لوحة لمايكل أنجلو؟ وحين شاهد ما يشاهدون لم يتردد في إطلاق عبارة إعجاب.
دون أن ينبس بكلمة واحدة، أشاع هدوء عبد العزيز وجديته حالاً جديداً في المركز، فاكتشف الأكثر زهواً أن عليه التدرب كثيراً، واختصر (الحكواتية) الكثير من أحاديثهم الاستعراضية، وسعى بعض الطلاب للتقرب بحذر منه خوفاً من أن يصدمهم (غروره)، لكنهم سرعان ما أدركوا الفرق بين الغرور، والثقة بالنفس، فصادقه بعضهم، واحترمه الجميع، وعلى امتداد السنوات التالية استطاعوا أن يعرفوا سر هذه الثقة، وأي أحداث صنعتها منذ أواخر أربعينات القرن الماضي، حين تفتحت عينا عبد العزيز على التفاصيل الحميمة لمنزل عائلته الدمشقي في حي القيمرية متوسطاً الطريق بين منطقة باب توما والجامع الأموي، ليس بعيداً كثيراً عن سوق العصرونية حيث يمتلك والده دكاناً صغيراً لبيع الطعام الشعبي تعمل فيه الأسرة بكاملها، فتقوم الأم منذ الفجر الباكر بإعداد الطعام في باحة المنزل، لينقله الأبناء إلى الدكان الصغير قبل أن تبدأ الحياة في السوق. وهكذا أمضى عبد العزيز سنوات حياته الأولى موازياً بين عمله في دكان أبيه ودراسته المتفوقة التي أهلته للانتساب إلى كلية العمارة، لكن الحياة لم تستمر على هذا المنوال فقد خطف الموت أمه فجأة، ولم تخسر العائلة بذلك حنانها فحسب، وإنما خسرت أيضاً ركناً أساسياً في عمل الأسرة، فاضطر الأب إلى تبديل عمل دكانه الناجح من بيع الطعام إلى بيع ألعاب الأطفال، ولم يعد الدكان قادراً على توفير المتطلبات المتنامية للأسرة، خاصة بعد أن انضمت إليها زوجة جديدة للأب، وأبناء جدد، فاتجه عبد العزيز للعمل في دكان لبيع الخضار في سوق الهال، مع استمراره في الدراسة بكلية العمارة، ولم يجد غضاضة في ذلك فثقافته اليسارية العميقة المتحررة كانت تحمل تقديراً كبيراً للعمل، لكن هذا التقدير كان يفتقر إليه أحد أساتذته في كلية العمارة، ففي إحدى المرات أحضر المشروع المطلوب منه للاستماع إلى ملاحظات الأستاذ عليه، لكن الأستاذ المتعالي بدلاً من ذلك وجه ملاحظة حمقاء للطالب حول ثياب العمل التي جاء بها... كان لمثل هذه الملاحظة أن تمر دون أثر عند طالب آخر، أو أن يعمل بما تبغيه، لكنها عند عبد العزيز ولدّت شعوراً عميقاً بأن هذا المكان ليس مكانه، فغادره للمرة الأخيرة والتحق بالخدمة العسكرية.
استمرت خدمته العسكرية خمس سنوات إذ كانت البلاد لا تزال تحت وطأة العدوان الصهيوني في حزيران 1967، وكانت تعدّ نفسها للمواجهة الحتمية القادمة، وجاءت تلك المواجهة في خريف 1973، وكرقيب في سلاح المدفعية كُلف بقيادة وحدة صغيرة في القطاع الجنوبي من الجبهة، فكانت تلك الأيام التشرينية المترعة بالبطولة والتحدي كل ما حفظته ذاكرته من أيام خدمته المديدة، فلما انتهت قرر متابعة دراسته الجامعية فتقدم بأوراقه إلى كلية الفنون الجميلة ونال المركز الأول في فحص القبول، ليعود ثانية إلى حياة الطلاب ضمن دفعة ضمت: محمد بعجانو وأكثم عبد الحميد وفؤاد انعيم ومراد ويس وطلال العبد الله ونزار صابور وأمير حمدان وأحمد معلا ووليد بدوي وزياد قات وعلي سليمان ونبيل سمان وعادل أبو الفضل وسواهم. وكانت هي الدفعة الأخيرة من نظام الخمس سنوات، وفي نهاية سنتيها الإعداديتين اختار قسم النحت كما كان ينوي منذ البداية، رغم تفوقه في الرسم، وهو ما دعا أحد أصدقائه لتذكيره بالتعليق الساخر لطارق الشريف حين رآه أول مرة، مستعيداً ما كتبه النحات العظيم لعصر النهضة، وكل العصور، عندما شرع برسم لوحات سقف وجدران كنيسة السيكستين: (أنا مايكل أنجلو النحات ُكلفت من قبل البابا بالرسم، أعترف أنها ليست مهنتي).
كان خياره مفهوماً بالنسبة لكثير من الطلاب، ذلك أن مهارته كنحات أعلنت عن نفسها منذ أيامه الأولى في الكلية، وكثيراً ما استنجد به بعض زملاء الدفعة ليساعدهم في إنجاز مشاريع النحت، بل أنه وهو طالب في نهاية السنة الأولى ساعد أحد طلاب السنة الخامسة في تصحيح أخطاء مشروع تخرجه، لكنه ومع إنجاز مشروع تخرجه هو، أدرك أن الحياة ستفرض عليه مجالاً للعمل مختلفاً عما يدرس، فلم تتعدَ وثيقة التخرج كونها شهادة عن موهبته وكفاءته، وذكرى لأحلامه، كان حينذاك يساعد والده في دكان بيع اللعب، لكن الدكان لم يعد قادراً على تلبية متطلبات أسرة أبيه وأسرته التي بدأت بالتكّون، فاتجه للعمل مع أقاربه في (تلييس) الجدران، وبعد وقت قصير صارت لديه ورشته الخاصة التي اشتهرت بعملها المتقن، وبدأت أحواله بالتحسن إلى أن داهمتنا هذه الحرب القاسية، فتوقف عمله، وابتعد ولداه عنه بحثاً عن سبل العيش، واستنجد، ليشغل الوقت، بهوايته الأثيرة: القراءة التي لم يتوقف يوماً عنها، والتي أكسبته تلك الشخصية الوقورة العارفة دون استعراض، المتواضعة بترفع عن كل الصغائر، كما عاد يستنهض موهبته الفنية فمارس الرسم بالألوان، حيث لم يكن من الممكن توفير مكان للنحت، لكن ذلك كله لم يمنع الأسى من التغلغل في أعماقه، إلى أن داهمه مرضٌ عضال لم يمهله طويلاً.
لم يصبح عبد العزيز المصري (مهندساً) معمارياً كبيراً، ولا نحاتاً محترفاً، كما كان يحلم ويستحق، غير أن حياته كانت اختزالاً لحياة جيلٍ، واجه بشجاعة ولا يزال، كل تحديات الحياة، وأحلامها المنكسرة.
www.facebook.com/saad.alkassem

  سعد القاسم
التاريخ: الثلاثاء 20-11-2018
الرقم: 16840


طباعة