درب النهاية

التقت أوراق ندوة الثقافة والإعلام، رغم تنوع محاورها ومواضيعها، عند أهمية اللغة، لا بمفهوم دورها في تحقيق التواصل فحسب، وإنما أيضاً في حفظ الذاكرة الجماعية، وبالتالي حفظ الهوية.

الندوة حملت عنوان (الآداب والفنون والارتقاء بالثقافة) وقد نظمتها وزارة الثقافة في مكتبة الأسد الوطنية على مدى يومين تضمنت مجموعة من الأوراق ذات العناوين المحددة، خصت بعضها نفسها باللغة العربية، وبتراثها الذي يؤكد ثراها وحيويتها وقدرتها على التأقلم مع مستجدات العصر. وتقابل الحماسة للغات القومية ومنها لغتنا العربية بردود فعل متباينة قد لا يكون الأسوأ اعتبار تلك الحماسة أمراً عاطفياً أو مشاعر حالمة لا تتفق و مستجدات العصر، ولا تتناسب مع متطلباته، وكأن معرفة لغة أجنبية يفترض بالضرورة إهمال اللغة الأم حتى لو كان هذا الإهمال يتخذ أشكالاً مثيرة للسخرية كما هو حال محطات تلفزيونية عربية تقدم نشراتها الإخبارية باللهجة المحكية بإدعاء أنها تجعلها أقرب إلى المشاهد - المستمع، في حين أنها في واقع الحال تجعله أكثر بعداً بعد أن اعتاد منذ البداية الاستماع إلى تلك الأخبار باللغة الفصحى، فكان هذا الشكل الجديد المبتكر أشبه بترجمة فورية رديئة مثيرة للسخرية من لغة فصحى إلى لهجة عامية.‏

التعصب للغة الأم إلى حد رفض معرفة أي سواها ليس أكثر سوءاً من اعتبار لغة أجنبية ما بديلاً كاملاً للغة الأم، فبمقدار ما ينطوي الأمر الأول على انغلاق لا يبيحه مفهوم الثقافة، ينطوي الأمر الثاني على مخاطر بعض منها انقطاع الصلة بالإرث الثقافي، والتعرض لأخطار تشبه الإبحار في المجهول، وليس في التعبير ترميزاً فحسب، وإنما دلالة أيضاً على واقع معاش أشارت إليه مجلة (فكر وفن) الألمانية في مثال حقيقي عن أثر الإرث اللغوي الاستعماري، فمنذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي مطلع الستينات، أقرت دولة إفريقية اللغة الفرنسية كلغة رسمية، وحتى اليوم لا تزيد نسبة المتحدثين بها عن ثلاثين بالمئة من عدد السكان وهو ما يخلق مشكلات لا حصر لها للشباب الأفارقة الذين يغامرون بحياتهم بشكل شبه يومي من أجل الوصول إلى الشواطئ الأوربية، مضحين بمدخراتهم على ظهر قوارب صغيرة في رحلة خطيرة تنتهي في كثير من الأحيان بالغرق في أعماق المحيط الأطلسي.‏

لتفسير المغامرة القاتلة يلجأ المسؤولون الأفارقة والأوربيون دائماً إلى الإشارة للظروف الاقتصادية الصعبة في الدول الإفريقية، التي تدفع الشباب لمحاولة الحصول المميتة على فرصة عمل في أوربا، وبهذا يتم التغاضي عن دور النظام التعليمي في المستعمرات السابقة كأحد أسباب هذه الظاهرة، فهذا النظام يسلب الشباب فرصة تلقي التعليم بلغاتهم المحلية حتى يتمكنوا من النجاح في الوسط الذي يعيشون فيه، ويصيبهم باليأس من قدرة لغاتهم الإفريقية على مساعدتهم في تحسين آفاق حياتهم. كما يعتبر النظام التعليمي أحد أسباب الوضعية المزرية للمهاجرين الأفارقة، ذلك أن الطالب يكتفي بتعلم المفردات والمصطلحات التي يتكرر استخدامها.‏

فإذا كانت فرنسا، صاحبة التاريخ الطويل في الهيمنة تخشى فقدان الخصوصية، فماذا عن سواها؟.. إن الثورة التقنية الهائلة التي يشهدها زمننا في وسائل الاتصال بدءاً من البث الفضائي التلفزيوني، وصولاً إلى شبكات الانترنت، تتيح إمكانية غير مسبوقة للتبادل الثقافي والتعرف على الإبداعات الفنية لشعوب العالم. غير أن هذا يظل افتراضاً نظرياً في ظل التباين الهائل في الإمكانيات المادية بين دول العالم. وخضوع القسم الأعظم من تلك الوسائل إلى سيطرة مراكز القوة الاقتصادية والسياسية في العالم. وبالتالي فإن تدفق المعارف الثقافية والإبداعات الفنية يأخذ - إلا فيما ندر - درباً وحيداً يتجه من المجتمعات الأقوى والأغنى والأكثر سيطرة على وسائل الاتصال، إلى المجتمعات الأخرى. وعليه لا تفقد المجتمعات الأضعف قدرتها على المساهمة في استكمال صورة الثقافة العالمية. وإنما قد تغّيب كلياً عن الصورة بحيث يبدو النتاج الإبداعي للبشرية، بما في ذلك ما ينتمي إلى عصور سابقة، وكأنه يختص ببعض المجتمعات دون سواها. والأمر هنا لا يقتصر على تزييف نسب هذا التراث كما حصل في غير مكان من عالمنا. وإنما يعني الدلالة الحرفية لكلمة إلغاء وهو فعل يحدث بأشكال مختلفة لم تعد تعتمد على السيطرة السياسية والعسكرية المباشرة، وإنما صار حدوثها ممكناً وشائعاً بحكم التأثير المتنامي، دون حدود، لوسائل الإعلام في تغيير المفاهيم والثقافات بحيث تتجه مجتمعات كثيرة نحو نموذج ثقافي وحيد متخلية عن خصوصيتها، وعن محاولات تطويرها. في حركة لا تبدو انفتاحاً على العصر والثقافات الأخرى، بقدر ما تبدو إلغاء لبعض الملامح الأصيلة التي تكشف تاريخاً طويلاً وثرياً من التطور الإبداعي والحضاري، والتناغم بين الإنسان ومحيطه. وهو ما دعا هيئات ثقافية دولية لأن ترفع شعار: (لنحافظ على تنوعنا الخلاق).‏

لقد أكدت الندوة أننا لسنا بحاجة إلى الحوار الثقافي فحسب، وإنما أيضاً إلى عدم التوقف عن توسيع آفاق معرفتنا بالثقافة العالمية. والحفاظ بالآن ذاته، على هويتنا الثقافية، وهذا يتطلب بداية الحفاظ على لغتنا الحاضنة لهذه الهوية.‏

إضاءات
سعد القاسم

www.facebook.com/saad.alkassem
التاريخ: الثلاثاء 11-12-2018
الرقم: 16857


طباعة