بعد مرحلة الرواد

 

تحدثت الزاوية السابقة عن أن من بين المواضيع التي جددت طرحها أيام الفن التشكيلي السوري موضوع الريادة حيث الخلاف مستمر بين من يرى أن الرائد في الفن التشكيلي السوري هو من بدأ، حتى لو كان مُقلداً، وبين من يرى أن الرائد من ابتكر أسلوباً أو نهجاً جديداً، وبالتالي أضحى هناك حديث عن جيل ثان من الرواد، أو ما تم التعارف على تسميته بجيل الحداثة.
إن تعدد الاتجاهات الفنية ظهر أساساً في المرحلة التالية لمرحلة الرواد في الفن التشكيلي السوري، أو ما يمكن وصفها بمرحلة الرواد الثانية، أو مرحلة الحداثة كما يطلق عليها غالباً، وترجمت هذه الاتجاهات مفاهيم فكرية، ومفاهيم جمالية تشكيلية تراوحت بين تأصيل الإبداع التشكيلي، وتوثيق صلته بعصره. وقد ظهر في مرحلة الستينيات والسبعينيات تيار مهم في فن التصوير الزيتي السوري ضم عدداً من الأسماء ذات التجارب المتميزة التي خطّت أهم ملامح هذا الفن، وتلتقي تجارب أصحابها عند قوة الخط والموازنة بين الرسم والتلوين ووضوح الهوية البصرية وصنع لوحة معاصرة باستلهام روح المفاهيم التقليدية للفن المحلي لجهة إلغاء البعد الثالث والتحكم بالمنظور وشغل معظم فراغ اللوحة، ومن أهم الأسماء التي تنتمي إلى هذا التيار نشأت الزعبي، وغسان السباعي، وهيال أبا زيد، وأسماء فيومي، وصخر فرزات، وفائق دحدوح، وفؤاد أبو سعدة، وشبلي سليم، وزهير حضرموت وشريف محرم، وشفيق اشتي، وفادي يازجي، ونسيم إلياس.
ومع أنه يصعب، في ظل غلبة الأساليب الخاصة على التيارات والمدارس الفنية الجماعية، الفصل الحاسم بين أسلوب وآخر، فإن ذلك أمر لا غنى عنه من أجل دراسة تيارات و اتجاهات الفن التشكيلي السوري، ويمكن على هذا تحديد تيارات أساسية في المشهد التشكيلي السوري. أولها: الواقعية وقد ظهرت فيها، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، عدة اتجاهات، أحدها دفع بها نحو الانطباعية مثل لوحات عماد جروة، وعصام درويش، وأحمد يازجي، وعبد الرزاق السمان، وبديع جحجاح.
وآخر دفع بها نحو التعبيرية كما هي حال أعمال: مروان قصاب باشي، وخالد المز، وسعد يكن، ونذير إسماعيل، وإدوار شهدا، وغسان النعنع، ومحمود شيخاني، وكرم معتوق، وحمود شنتوت، وطلال معلا، وأحمد معلا، وباسم دحدوح، وطاهر البني، وصفوان داحول، وجورج عشي، وبشير بدوي، ونعمت بدوي، وخالد تكريتي.
وثالث دفع بها نحو التجريد مثل أعمال: نعيم شلش، ورضا حسحس، وعبد القادر عزوز، ومأمون الحمصي، ولبيب رسلان، ومحمود جليلاتي، وهيثم شكور، وعلي سليمان، وأحمد أبو زينة، وبشير بشير.
ورابع أخذت معه شكل الواقعية بالغة الدقة مع ميل أحياناً نحو السريالية كما في لوحات إحسان عنتابي، وحسين حمزة، وسارة شمة.
وعرف التشكيل السوري أسماء مهمة في تيار التجريد ومنهم: عبد الله مراد، وجمال عباس، ووليد الشامي، وماجد صابوني، وعبد اللطيف صمودي، وعمر حمدي، وعلي سليمان، ومصطفى ناصر، وضياء الحموي، وياسر حمود، وباسم دحدوح، وأحمد برهو، وسعد الله مقصود، ومحمد صالح بدوي، ووضاح السيد، ومحمد العلبي، وحسكو حسكو، ونهاد الترك، وعبد الناصر ونوس، وعهد الناصر رجوب، وعبد الكريم مجدل البيك، وريما حمزة.
لم تغب السريالية عن المشهد التشكيلي السوري فظهرت في أعمال عدنان ميسر، وروبير ملكي، وكمال محي الدين حسين، وعبد القادر عبدللي. كما نُسبت أعمال خزيمة علواني إلى السريالية مع أنها في واقع الحال تمثل أسلوباً خاصاً يجمع بين السريالية والتعبيرية، ويستمد بعض جذوره من التجارب العالمية الحديثة.
ساهمت دراسة بعض السوريين للفن في بلدان العالم بنقل تأثيرات فنون تلك البلدان إلى التشكيل السوري المعاصر ومن ثم زيادة غناه وتنوعه، فإضافة إلى الرواد الذين درسوا في إيطاليا وفرنسا درس عدد من فناني الأجيال التالية في مصر ودرس علي السرميني في ألمانيا، وكان من أوائل من قدم لوحة معاصرة منفذة بالمينا على النحاس. وظهرت تأثيرات الفن الأرمني في الأعمال المبكرة لـخليل عكاري الذي درس في أرمينيا، وكذلك في منحوتات فارتكيس بارسوميان. فيما بقيت آثار التعبيرية الألمانية حاضرة بقوة في أعمال جورج ماهر، وكذلك تأثيرات الواقعية الروسية في أعمال ميلاد الشايب وعبد المنان شما وحيدر يازجي وعلي خليل وأحمد إبراهيم وفيروز هزي.
إن هذا التعدد في الاتجاهات الفنية هو ما منح الفن التشكيلي السوري أهم ميزاته وهي الغنى والتنوع، وتجد الأجيال الجديدة من التشكيليين السوريين أمامها ثلاثة مصادر ثرية تغني تجاربها. أولها التراث الخالد للحضارات التي عرفتها الأرض السورية، وثانيها التراث الفني العالمي، والثالث تجارب أسلافه من جيل الرواد وجيل الحداثة ومن تلاهم.
سعد القاسم

 

التاريخ: الثلاثاء 8-1-2019
رقم العدد : 16879

 


طباعة