اعترافات

 

زوجة على خشبتين، تحت هذا العنوان جرى الحديث هنا قبل بضعة أسابيع عن عرضين مسرحيين جديدين قدما على خشبتي مسرحي (الحمراء والقباني)، يحكي كل منهما - على طريقته - عن معاناة امرأة متزوجة بحيث حملت كلمة خشبتين دلالة رمزية تتعلق بمضمون العمل أكثر مما تتعلق بالمكان.
في العرض الأول الذي تم الحديث عنه المرة الماضية (امرأة وحيدة) تحكي زوجة عن معاناتها مع زوج يقفل عليها الباب قبل أن يخرج كل صباح، ليتركها سجينة في منزلها. أما العرض الثاني الذي حمل اسم (اعترافات زوجية) فيقدم رؤية أخرى لمعاناة زوجة شابة، من خلال استحضار الزوج (فاقد الذاكرة!) التفاصيل اليومية لحياتهما المشتركة، المتناقضة كلياً مع رواية الزوجة عنها. وقد اختار مأمون الخطيب (المخرج) مسرحية الكاتب الفرنسي البلجيكي الأصل إريك إيمانويل شميت، الذي عرفه القارئ العربي من خلال روايته الشهيرة (مسيو إبراهيم وزهور القرآن) المترجمة إلى العربية ولغات عالمية كثيرة، وتقوم أساساً على فكرة رفض الأفكار المطلقة. وعلى الأساس ذاته قامت رواية ثانية للكاتب أثارت سجالاً عالمياً (الجانب الآخر)، حين قدّم شخصية هتلر بصورة مغايرة عن الصورة السائدة. جامعاً بين الواقع الحاصل والواقع المتخيل، فجعله يدخل كلية الفنون وينجح في دراسته فيها ليصير فناناً يهتم بالجمال والإبداع بدلاً من الكره والقتل. وقد اعتبر شميت أن ما كتبه هو من أجل تقديم تفسيرات أخرى للواقع، أو ربما تخيّل ما كان يمكن حدوثه لو تغيّرت الظروف المحيطة. كذلك البحث العميق في الداخل الإنساني المنقسم بين خيرٍ وشرّ حيث الآخر هو مرآتنا. كما قال في حوار أجرته معه مايا الحاج، ونشر قبل عام تقريباً.
الآخر - المرآة في مسرحية (اعترافات زوجية) هي الزوجة، وتخيّل ما كان يمكن حدوثه (لو تغيّرت الظروف المحيطة): هي محاولتها تغيير سلوك الزوج اعتماداً على اقتناعها بفقدانه ذاكرته، ففي لعبة استعادة الذاكرة تُقدم له صورة تتمناها عن علاقتهما الزوجية، وعن سلوكه تجاهها خاصة، غير أن المتلقي (القارئ أو المشاهد) لا ينساق مع تفاصيل اللعبة فحسب، وإنما يكتشف مدى تباين الصورة الوردية التي تحاول الزوجة غرسها في ذاكرة الزوج (الفارغة)، مع ما يصل المتلقي من إشارات مغايرة تشي بغير ذلك تماماً. وفي حين بدا أن مسعى الزوجة لتغيير الواقع من خلال تغيير الذاكرة أمرٌ قابلٌ للتحقق أدى تفصيل صغير إلى انقلاب الحال رأساً على عقب، فمع هذا التفصيل الصغير نكتشف أن الزوج قد (تماهى) في اللعبة وهو بكامل وعيه، وأن إدعاءه لفقدان الذاكرة كان أحد أسبابه معرفة حقيقة الحدث الذي أدى إلى دخوله المستشفى.
صدرت مسرحية (اعترافات زوجية) بترجمتها العربية عام 2016 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ضمن سلسلة (من المسرح العالمي)، وقام بترجمتها أحمد اللويزي وقدمها نقدياً الدكتور محمد شيحا. ولست أعلم إن كان تم عرضها قبل الآن في مسرح عربي، لكني على يقين بأن مأمون الخطيب قدّم من خلالها واحداً من أفضل عروضه المسرحية، حيث عرف كيف يحافظ على إيقاع حيوي لنصٍ يقوم على حوار بين شخصيتين ويكاد يفتقد إلى الحدث، وكيف يمنح المشاهد زمناً متصلاً من المتعة المسرحية، وكانت مساهمة آنا عكاش (دراما تورجيا) واضحة في إيصال روح العمل للمتلقي المحلي، كما نجحت السينوغرفيا (نزار بلال وريم الشمالي). بخلق الحالة البصرية المتممة للحدث المسرحي والمتكاملة معه، إلا أن النجاح الأكبر للخطيب كان في إسناده دوري المسرحية لرنا جمول ومالك محمد، فإن كان الأداء الاحترافي المتقن أمراً متوقعاً من ممثلة عريقة شاركت في معظم عروضه المسرحية، فإن مالك محمد كان مفاجأة مدهشة في حضوره المسرحي، وعمق إحساسه بالشخصية، وتناغمه مع شريكته على الخشبة.
حملت بطاقة العرض أسماء: إياد جناوي (موسيقا)، ريم محمد (إضاءة)، يوسف بدوي (فوتوغراف)، منور العقاد (ماكياج)، غيث المرزوقي (ملصق ودليل).
سعد القاسم
www.facebook.com/saad.alkassem
التاريخ: الثلاثاء 15-1-2019
رقم العدد : 16885


طباعة