على إيقاع الحياة

إثر مشاركتها في احتفالية يوم الرقص العالمي في دار أوبرا دمشق كتبت على صفحتها في الفيسبوك: (قبل أن أدخل إلى خشبة المسرح بثوانٍ أتذكر كل مرة عدد الساعات التي كان أهلي ينتظروني فيها خلال أكثر من ١٥ سنة حتى أنتهي من دروس الباليه أو بروفات العروض. وفي يوم الرقص العالمي أقول لهم: أنتم العيد بالنسبة لي، ولكم الفضل الكبير في كل شي أحاول إيصاله، أنا محظوظة بأنكم (رفقاتي) وأهلي).
هذه الكلمات العفوية الدافئة التي دونتها إحدى أفضل خريجات قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية، يُكشف صدق مكنونها حين يستذكر المرء أولئك الأشخاص المجهولين في هذا الاحتفال الجمالي، الذين لا يظهرون على خشبة المسرح، ولا تذكر أسماؤهم في الأدلة والإعلانات. وأعني أهالي الأطفال الذين شجعوهم على سلك هذا الدرب، إن لم يكونوا هم من وجههم إليه، والذين أوفوا بمتطلبات هذا الخيار من خلال الأوقات الطويلة التي يخصصونها لاصطحاب أطفالهم إلى الدروس والانتظار ريثما تنتهي الدروس، كما هو حال أهالي الطلاب في معاهد الموسيقا، حيث لا بد لذي الإحساس أن يشعر بالاحترام العميق لأم تنتظر انتهاء دروس أبنائها ساعة وأكثر تحت السماء، قبل العودة إلى بيتهم البعيد متحملة عناء وسائل المواصلات، وقبلها، وبعدها عملها المنزلي، وغالباً عملها خارج المنزل أيضاً. كل ذلك لوعيها أن تنمية موهبة أطفالها لا تقل أهمية عن تعليمهم، و لإشغال الفائض من وقتهم وطاقتهم بما هو جميل ومفيد وممتع، لهم وللناس حولهم.
حين أحدث قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1998، كان تتويجاً لمسيرة مدرسة الباليه التي افتتحت في دمشق عام 1988، كما كان إحداث المعهد العالي للموسيقا تتويجاً لمسيرة المعهد العربي للموسيقا (معهد صلحي الوادي حالياً)، وقد قدمت مدرسة البالية مجموعة من العروض التي لا تنسى، ومنها عرض (كسارة البندق) على مسرح الحمراء بدمشق عام 1997 وكان أول عرض باليه متكامل يقدم في سورية، وكذلك العرض الذي استضافته دار الأوبرا عام 2001 وتضمن لوحة راقصة ساحرة في محاكاة مبدعة لواقع صنعته سنوات من التعب والطموح بين جدران المعهد العالي للفنون المسرحية (حيث كانت تقوم مدرسة البالية قبل انتقالها إلى مشروع دمر)، وحيث لا يزال يقوم قسم الرقص. ففي برهة انطفاء أضواء خشبة المسرح حلت إحدى المدرّسات محل طالبتها مستعرضة براعتها كراقصة محترفة ومعلمة رقص، ومستكملة ما بدأته الراقصة الصغيرة، وكأنها بذلك تستعرض سيرتها الشخصية مذ كانت طالبة في مدرسة البالية إلى أن صارت إحدى المُدرّسات فيها، وتستعرض بها مسيرة المدرسة والمعهد.
احتفالية يوم الرقص ضمت عشرين لوحة على قدرٍ كبيرٍ من الإتقان بحيث تابعها الحضور بمتعة على مدى نحو ساعتين، بفضل براعة الراقصين أولاً، وبفضل تنوع اللوحات ثانياً، إذ تضمنت هذه اللوحات طرز الرقص التي يتم تدريسها في المعهد شاملة الرقص الكلاسيكي والكلاسيكي المعاصر والشعبي ورقص الصالونات والجاز والتانغو والمعاصر والتعبيري. وهذه اللوحات جميعاً تم اختيارها من الرقصات المدّرجة في المنهاج التدريسي للمعهد والتي يتم التدّرب عليها في دروسه العملية، بما يجعل الاحتفالية نموذجاً مصغراً لهذا المنهاج، ومشاركة لائقة للمعهد في مناسبة عالمية معنيٌ بها. وتدعو - في الوقت ذاته - للسؤال عن سبب غياب فرق الرقص المحترفة عن هذه المناسبة، وخاصة الفرق المعنية بتقديم التراث المحلي كفرقتي أمية وزنوبيا، وفرق عديدة كان لخريجي المعهد دورٌ فاعلُ فيها، فيبدو المعهد المسرحي وكأنه المعني الوحيد بالمناسبة، بخلاف الحال في احتفالية يوم المسرح العالمي حين يقدم المعهد احتفاليته (الدراسية) على مسارحه، وتقدم مديرية المسارح احتفاليتها الاحترافية على مسارحها.
في بداية الحرب على سورية نشرت وكالة أنباء أجنبية تقريراً عن احتفالية يوم الرقص، فكتب أحد القراء معلقاً: That certainly does not seem a country at war!! (هذا بالتأكيد لا يبدو بلداً في حالة حرب!!) واليوم وبعد ثماني سنوات من الحرب، التي تستهدف فيما تستهدف الثقافة والفن ينجح المعهد المسرحي بتقديم احتفالية على مستوى راقٍ. وينجح قبل ذلك بالحفاظ على استمرارية قسم الرقص فيه، رغم غياب الخبراء الأجانب الذين كانوا عماد العملية التدريسية، ورغم سفر كثير من خريجيه المتميزين القادرين على رفد طاقمه التعليمي والتدريبي. بل إن القسم يستعد اليوم لتخريج واحدة من أكثر دفعاته تناغماً وتميزاً، في الوقت التي استقبل فيه أكبر دفعة من الطلاب منذ تأسيسه.
اليوم يقوم قسم الرقص على الخبرات المحلية، وعلى خريجيه أساساً، وبذلك لا تعود الإشادة مقتصرة على ما شاهدنا من عرض ممتع في يوم الرقص، وإنما، وبالدرجة الأولى، على الجهود المخلصة للمدرسين والمشرفين والطلاب.
إضاءات
سعد القاسم
التاريخ: الثلاثاء 7-5-2019
رقم العدد : 16971


طباعة